فهرس الكتاب
هي أن في خضم هذا القص المتراس بروزًا كاملًا لهذه السردية الإنشادية"وفي كل هذا الزحام تبرز العبارة القرآنية منفردة بخصائصها تمامًا ... وكأنها ظاهرة بلا تبرير ولا تفسير، سوى أن لها مصدرًا آخر غير ما نعرف" [1] .
غير أن السرد الإنشادي يكون واضحًا وجليًا، إذا تليت سورة القمر جماعة، على أن يتكلف أحد أفرادها بتلاوة القصص فقط، ويترك أمر اللازمة للجماعة ترددها جهارة بشكل تزامني تنطلق فيه الأصوات في لحظة واحدة.
{ فكيفَ كَانَ عَذَابِيَ ونُذُر، وَلقد يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدَكر }
فمما لا شك فيه أن النفس الإنسانية -يستوي فيها السامع والمقرئ- تتهادى إلى أسماعها أصوات تبتلية ترتيلية تقرع الضمائر وتُؤْسِر النفوس وتحرك الوجدان، بما أوتيت من فواصل رائية"تساعد على ترجيع الصوت، وتهادي النفس آنًا بعد آن إلى أن تصل إلى الفاصلة الأخرى فيجد عندها راحته العظمى" [2] . وحين ذاك يبدو للوهلة الأولى أن السرد فيها إنشادي.
ولعل هذه الإنشادية القرآنية يكون قد استفاد منها بعض رواد الشعر الحر، لأننا ألفينا"الشاعر الحر يقيم هذا البناء الإيقاعي غير ملتزم إلا بشيء واحد: طريقة معينة في تتابع المقاطع يمكن أن تتلاءم مع ترداد الأنفاس عند الإنشاد" [3] . ولا تسترد الأنفاس إلا في مثل هذه الإيقاعات التي أطلقنا عليها مصطلح السرد الإنشادي.
ثالثًا: السرد الدائري
1-المصطلح بين الأصالة والاتباع:
إن مصطلح السرد الدائري لا يكاد يكون معروفًا -بصورته هذه- إلا عند الحداثيين الذي استهوتهم هذه الحداثة وتشرّبتهم، فلا ينفكون يتحدثون عنها في الكتب والمقالات المتفرقة هنا وهناك.
(1) مصطفى محمود: القرآن محاولة لفهم عصري ص 14.
(2) د. محمد دراز: النبأ العظيم -دار القلم الكويت 1957 ص 103.
(3) د. شكري عياد: موسيقى الشعر العربي- دار المعرفة بمصر 1968 ص 108-109.