فهرس الكتاب
ونحن إذ نفعّل السؤال ونبسط الرأي، لأننا متأكدون أن تراثنا الأدبي معطاء قادر على التأصيل والسبق. وما أكثر لغوييه ومؤوليه من أمثال عبد القاهر الجرجاني وابن الجني وابن قتيبة والقرطاجني وغيرهم كثير. إلا أن حقيقة السؤال تنبني من حيث انتهى هؤلاء. فهل هناك خلف يحمل راية السلف ليكمل المسيرة؟ ولعل هذه هي الحداثة الحقة الضائعة في متاهات الانبهارية والإعجاب بكل ما هو قادم من فضاءات الإبداع الغربي.
ونحن لا نجيب عن تلك التساؤلات ما دام التراث العالمي ملكًا للإنسانية جمعاء.
غير أن إثارة قضية التراث -في حد ذاتها- تمثل تنويرًا فكريًا ينم عن مستوى حضاري خلاق، ذلك أن محاولة الفهم الصحيح لمعادلة الحداثة والتراث، ما هي إلا نوع من السعي لتحقيق وثبة نوعية تعمل على تفعيل المعاصرة في التراث.
إن التراثية إلزامية حضارية تسهم بصورة أو أخرى، في تشكيل الذهنية الأدبية الموصولة بها، بل تمثل أحد مصادر إلهامها، الأمر الذي يجعل مسألة التخلص من عقدة التراث ضربًا من الخلط وجنسًا من التهور.
فالأديب أو الباحث لا يستطيع أن ينسلخ عن جلده وما ينبغي له. لأن كثيرًا من المعطيات البحثية ما هي إلا ترسبات ناتجة عن خلفية تراثية طرحت نفسها على صعيد إنتاجاته الحداثية بوعي أو بدونه. فالباحث مهما كان تواقًا إلى التجديد ومهما كان متحمسًا لكسر تلك التقاليد الفنية، وما له صلة بالموضوع الذي يعالجه، فإنه لن يستطيع إلى ذلك سبيلًا، لأن سلطة التراث أكبر من أن تتجاوز مهما كان حجم المغامرة الفنية المحمولة في ذهن الباحث. لأن"القول بأن كل شاعر مجدد هو الذي يقطع كل آصرة تربطه بتراثه السابق وبالتقاليد المستقرة للنوع الذي يمارسه، إدعاء خطير يصدر عن قدر عظيم من الرومانسية الفكرية" [1] .
(1) طه وادي (مجموعة من كتاب العرب) : إضاءات نقدية عن عبد العزيز المقالح ص 173.