فهرس الكتاب
غير أن استحضار أدونيس لهذه الآية، لم يكن اعتباطيًا أولئك الذين يقتبسون من القرآن دونما قصدية فنية، بل لما في هذه الجملة القرآنية من خروج عن مألوفية اللغة الشائعة إلى فضاء تحسسي متصاعد من الداخل. فنحن نتحسس في هذه الآية تعبيرًا سرديًا سيميائيًا يتطلّع للغة المجازية، الشيء الذي أدهش أدونيس حين وظفها بوصفه شاعرًا وحين عللها بوصفه ناقدًا إذ يقول"فهي تسمي شيئًا باسم شيء آخر يختلف عنه: إنها تغيير الوظيفة العادية المنطقية للغة، أي تغيير طبيعة اللغة ولا نقدر أن نفهمها إلا إذا نظرنا إليها من منظور غير عادي وغير منطقي" [1] .
إلا أن سر إعجاب هؤلاء المعاصرين بالمتن القرآني يفسره التصعيد التوظيفي للغة من وجهة، وتلك التعتمة الجمالية في القصدية الإفهامية من وجهة أخرى، الأمر الذي جعل التجانس متوفرًا بين الشعر المعاصر والنص القرآني. هذا ما ترك النموذج القرآني يحظى بعناية فائقة من قبل الدارسين المعاصرين.
وفي هذا التوجه يقول أحدهم"إن هذه النماذج التي تدل في صلبها عن المصدر القرآني الذي فجّر منه الشاعر ما يعنيه في موقفه الشعوري ليست إلا صورة صريحة نسبيًا من صور العلاقة التي تربط الشاعر المعاصر بالنص القرآني" [2] .
إن نموذج السرد الدائري يتموضع بكثافة في الآثار السردية النثرية، ويقابله -في الشعر- ما يعرف بالتدوير الذي هو"ما اشترك شطراه في كلمة واحدة بأن يكون بعضها في الشطر الأول وبعضها في الشطر الثاني، كما في بيت المتنبي:"
أنا في أمة تداركها اللـ ... ـه غريب كصالح في ثمود" [3] "
(1) أدونيس: صدمة الحداثة ص 296- 297.
(2) عز الدين إسماعيل: الشعر العربي المعاصر- دار الثقافة ودار العودة بيروت 1973 ص 33.
(3) نازك الملائكة: قضايا الشعر المعاصر- مكتبة النهضة بغداد 1965 ص 91-100.