فهرس الكتاب
غير أن هناك عوامل مجتمعة، تحول دون تحقيق هذه الغايات التي ننشدها من وراء قراءة النص القرآني، كالعامية المبتذلة التي نسمعها كل حين، والألفة التافهة والبلادة السخيفة التي جعلتنا نستوعبها، حتى أبعدتنا عن أصول لغتنا، لغة القرآن. وأيضًا تلك القراءة المملة التي نسمعها كل حين"ثم أسلوب الأداء الممل الرتيب الذي نسمعه من مرتلين محترفين يكرّون السورة من أولها إلى آخرها بنبرة واحدة، لا يختلف فيها موقف الحزن من موقف الفرح من موقف الوعيد، من موقف البشرى من موقف العبرة. نبرة واحدة رتيبة تموت فيها المعاني وتتسطح العبارات" [1] فتغتدي قراءة رتيبة جامدة لا تحرك الوجدان ولا تدفع إلى البحث.
إن النص القرآني غني يتيح لنا الفرصة، لنقرأه مرات ومرات، وكلما قرأناه أمدّنا بعطاياه، لأنه نص سخي يتجاوب مع القراءة الواعية التي تطرح مبدأ المساءلة والافتراض، فضلًا عن أنه ذو إيحاءات ودلالات متنوعة"فالنص الأدبي هو نص له هويته، كما لكل شيء هويته، وهو بذلك ليس نصًا سياسيًا أو سيكولوجيًا أو اجتماعيًا، وإن كان يحمل دلالات سياسية وسيكولوجية واجتماعية، وهو إذ يحمل هذه الدلالات يتيح لنا أن نقرأه أكثر من قراءة" [2] .
وعسى أن يكون المانع - من إيجاد لحظة قرآنية- ممثّلا في كثرة الانشغالات الحياتية المختلفة، الأمر الذي أمات القلوب فتحجرت وسطح الأفكار فتهجنّت ولكن لا يمنع هذا من إيجاد لحظات نوفر فيها للقراءة القرآنية طقوسها، فتغتدي واعية واعدة، فضلًا عن أنها ممتعة. لأن"لحظة صفاء ينزع الواحد فيها نفسه من هذه البيئة اللزجة ويرتد فيها طفلًا بكرًا وترتد له نفسه على شفافيتها، كفيلة بأن تعيد إليه ذلك الطعم الفريد والنكهة المذهلة والإيقاع المطرب الجميل في القرآن" [3] .
(1) د. مصطفى محمود: القرآن محاولة لفهم عصري ص17.
(2) يمنى العيد: في معرفة النص ص57.
(3) د مصطفى محمود: المصدر نفسه ص18.