فهرس الكتاب
إن لهذا السرد في القصتين (أ،بـ) نظمًا دلاليًا عجيبًا، بحيث -منذ الوهلة الأولى- يبدأ في اتجاه الأسفل متخذًا منحى دلاليًا تنازليًا عضدًا له، يستمر فيه العتاب الآية تلو الآية، حتى يصل لدرجة الصفر. ولعل هذا يكون واضحًا في القصة (أ) وفجأة تظهر لحظة التصعيد والتنامي ورد الاعتبار. هذا ملموس في القصة (بـ) .
وعسى أن يكون ذلك كله، بغرض تحقيق التوازن في البنية السردية وبخاصة في جانب المضمون.
وبهذه الرسمة يتضح السرد المشارك وتتضح معه نقطة التقاطع
نجد أ: تمثل السرد المشارك الأول، والذي يصنعه عتاب الرّب لنبيه محمد (ص) وبـ: السرد المشارك الثاني، يصنعه انتقام الرّب من عتبة بن أبي لهب.
وجـ: تقاطع السردين في نقطة نهاية القصة الأولى وبداية القصة الثانية السرد المشارك الأول: إن الآيات الأولى، تصور تلك الجلسة التي كان يجلسها الرسول (ص) مع أشراف قريش وكله حماس واستعداد في حوار مشهود، علّه يصل إلى قلوبهم فيهز مشاعرهم ويحرك أحاسيسهم، مشهد روائي رائع يضم الرسول (ص) وضيوفه في خلوة تتسابق فيها خيوط الفرحة ونشوة الفوز إلى قلب النبي (ص) في تساؤل مستمر، يوقعه هذا الاستفهام: أترى بما أقول بأسًا؟ ويستمر الحوار متدفقًا.. وبينما هم على هذه الحال، تصم آذانهم صيحة رجل أعمى يقتحم عليهم جلستهم، ممزقًا خيوط الدعوة إلى سبيل الرّب، وتتلاشى القناعات النبوية المنبعثة من قلبه (ص) في سرعة وتلهف. أرشدني يا رسول الله مما جعل النبي متضايقًا فتحسر وانقبض. ولعل هذه الآية فيها ما يوحي بذلك
{ عَبَسَ وتَوّلَى أنْ جَاءَهُ الأَعمَى } إنه تصوير لحالة النبي النفسية، إنه العتاب واللوم. ثم يمضي السرد إلى عتاب أعنف { ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَكَّى أَوْ يَذكَّرُ فَتَنْفَعُهُ الذِّكْرَى } .
إن الآيات -هنا- تخاطب النبي مباشرة بضمير المخاطب، بعد أن خوطب بضمير الغائب (عبس وتولى) .