فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 213

نلمس في ذلك تقاطعًا مع السردية الجديدة وبخاصة الرواية"فصيغة الأنت أو الأنتم حلتّ محل الهو في مسرودات حديثة عديدة" [1] ، حيث ألفينا ضمير الغائب مقصى غير معوّل عليه، على حين يكون الاحتفاء بالمخاطب. وهو ما تشي به آيات سورة عبس هذه.

وما يدريك؟ من أعلمك ألا فائدة دعوية ترتجى من هذا الأعمى؟ إنه بسؤاله يريد أن يتطهر، أن يتزكى فجاءك ونفسه مضطربة في عجلة من أمره يريد أن يبدّد عنه غشاوة الجهل ويلبس رداء الإيمان، فأعرضت عنه. لم؟

ثم يستفحل السرد في عتابية عنيقة { أَمَّا مِن اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصّدى وَمَا عَلَيكَ ألاَّ يَزكَّى } إنه عتاب قاتل، إنك يا محمد (ص) تلفتّ إلى وجهاء قريش في تعطش شديد ولهفة حارة، كلهفة العطشان.

لقد رسم السرد -هنا- صورة كاشفة تضيء جوانب النبي الخفية، بحيث صورت حالته النفسية واهتمامه المفرط الذي أولاه لأعيان قريش ووجهائها.

ويعود السرد منعطفًا لوصف الرجل الأعمى في أسلوب عتابي جديد يلفح الرسول (ص) { وأَمّا مَنْ جَاءَك يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْه تَلَهَّى } إنه وصف لسريرة الرّجل وما كان يخالجه، وهو يسير بخطا ثابتة نحو هادي الأمة، بل وصفت ما تجشّمه من عناء، علّه يزيل عنه خيوط الجهل، ويزيح عنه سدول الظلمات.

لقد جاء ساعيًا مسترشدًا ينشد غاية يرجو إيمانا، يخطو ويخطو، يريد أن تنتهي خطواته عند عتبة الهداية والرشاد.

إن ما تشي به جملة - وهو يخشى- الحالية كثير، ذلك أن الرجل مقبل على أمر جديد مما يدفع إلى الخوف والاضطراب. وبمقتضى المقصود، فلا شك أن الرجل سيتخلى عن دين الآباء والأجداد، الإرث الشرعي له.

غير أن السرد المشارك هنا، ألفيناه يتنامى وفق خاصية المد والجزر. فهو إلى الأمام تارة، وإلى الخلف أخرى، فكأنما العتاب ينزل على الرسول (ص) من زوايا مختلفة.

-فهو يعاتبه على عبوسه في وجه الرجل الأعمى

(1) د. عشراتي سليمان: تجليات الحداثة ع3 ص70

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت