فهرس الكتاب
وباكتمال العتاب الإلهي والحسرة التي تسربت إلى قلب النبي والندم الذي شعر به، يظهر خط ثالث يقوي النبي (ص) ويرفع من معنوياته ويشحنه شحنًا.
هذا الخط تجسده قصة عتبة التي يستجاب فيها لدعاء النبي (ص) فيدحض عدُّوه. وبذلك يتلاشى الخطان، ويبقى مفعول الخط الثالث قائمًا، وتكتمل النشوة. فيعدو الرسول (ص) نحو ابن أم مكتوم ليعانقه عناقًا حارا ويقول له:"مرحبا بمن عاتبني فيه ربي" [1]
خامسًا: السرد الإضماري:
الإضمارية: ظاهرة بلاغية قبل أن تكون تقنية فنية، ترتبط وشجائجها بالمتلقي وتخضع لمستوى وعيه وإدراكه.
ولما كانت درجة المتلقين متفاوتة ومتباينة، بين متلقّ فطن ذكي لبق، وبين آخر مترهّلِ متأخر الفهم شارد الذهن، استلزم أن يكون الخطاب مكيّفًا حسب تلك المقاييس التي عليها المتلقون.
ولعل الجاحظ -بنظراته الثاقبة- يكون أول من التفت إلى علاقة النص بالمتلقي، بحيث راعى منزلة السامع ومستلزمات المقام"إذ أن الكلام يتنزّل في مقامات، كما أن الناس طبقات. وتلاؤم الحديث وملابساته مع نوع اللفظ عنصر مهم في نظريته.. وقد تركز جهده على ما يعرف بشفافية الخطاب أو نفعيته" [2] .
وعلى هذه الشاكلة انبنى النص القرآني. وفي هذا يقول الجاحظ"ورأينا أن الله تبارك وتعالى إذا خاطب العرب والأعراب، أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي والحذف، وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم جعله مبسوطًا وزاد في الكلام" [3] .
(1) محمد كامل حسن المحامي: القرآن والقصة الحديثة ص116.
(2) عبد الفتاح المصري: العرب واللسانيات -مجلة الموقف ع 117 - اتحاد الكتاب العرب دمشق 1981 ص21.
(3) الجاحظ: الحيوان - ج1-2-3 كتاب واحد- ط1 -1968 مكتبة محمد حسين النوري- سورية. مكتبة الطلاب وشركة الكتاب اللبناني بيروت ص65