فهرس الكتاب
ولعل العلة في ذلك واضحة، لأن العرب هم معدن الفصاحة وسلاطينها. يفسّر ذلك كون إعجازية النص القرآني تنهض على اللغة، لأن عظمة القرآن في اللغة تجسد عظمة العرب فيها. وإلا لما كان للإعجاز القرآني من معنى يذكر، ولما أُخذت كتب ابن قتيبة والجاحظ والباقلاني والجرجاني والرافعي وغيرهم، بالنظر.
إن خطباء العرب جبلوا على التفنن في إرسال الكلام وفق مقتضيات، تملي عليهم استخدام نمط لغوي يغطّي الموقف الذي هم فيه، فيطنبون في مقام الإطناب، ويُقلون في موقف الإقلال. وهكذا نرى المفوه من العرب"يختصر تارة إرادة التخفيف ويطيل تارة إرادة الإفهام، ويكرر تارة إرادة التوكيد، ويخفي بعض معانيه حتى يغمض على أكثر السامعين، ويكشف بعضها حتى يفهمه بعض الأعجمين، ويشير إلى الشيء ويكني عن الشيء، وتكون عنايته بالكلام على حسب الحال، وقدر الحفل، وكثرة الحشد، وجلالة المقام" [1] .
ونجد الجاحظ مثلًا في كتابيه (البيان والتبيين) و (الحيوان) يستفيض في مسألة اللفظ والبيان والفصاحة وحضور العرب فيها. حيث ألفيناه يتعجب من بداهة العرب في قرض الشعر، وكيف تلين عربيتهم في أيديهم فيدعونها ما يشاؤون، ولا يتلمّس فتورا أو قصورا يلاحظ عليهم في العبارة والجملة والكلمة، بل والحرف فيقول:"وكذلك حروف الكلام وأجزاء البيت من الشعر تراها متفقة ملسا، ولينة المعاطف سهلة.. ورطبة مواتية سلسة النظام خفيفة على اللسان حتى كأن البيت بأسره كلمة واحدة، وحتى كأن الكلمة بأسرها حرف واحد" [2] .
هكذا كان العرب في حياتهم البيانية يحيون مع اللغة، فكأنهم خلقوا لها أو خلقت لهم، حتى لتشعر وكأنها جزء من كيانهم، تتمدّد متى أريد لها، وتتقلص حيث يريدون. وبذلكَ يكونون حقًا هم الفصحاء أو كما يسميهم ابن بحر"الأعراب"الخلّص هم معدن الفصاحة التامة" [3] ."
(1) ابن قتيبة: تأويل مشكل القرآن. ص31.
(2) الجاحظ: البيان والتبيين ص50
(3) أدونيس: الشعرية العربية ص25