فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 213

ولا غرو أن يكون القرآن الكريم - الذي أنزل فيهم- على هذه الشاكلة البلاغية التي هم عليها، وعلى الفطرة اللغوية التي فطروا عليها، والفصاحة الحقة التي استظلوا بظلالها.

إن الفصاحة الحقة"ليست في مجرد الإفهام، فقد يتم الإفهام بكلام غير فصيح، وإنما هي الإفهام على مجرى كلام الفصحاء من العرب، ومعنى ذلك أن الفصاحة في اللفظ لا في المعنى" [1] لأن كلام الفصحاء في بعض طرق عرضه، وجدناه ينهض على الحذف والاجتزاء، وهما سمتان تتعلقان باللفظ. وهي النقطة التي يقوم عليها السرد الإضماري الذي نحن بصدد معالجته.

إن مسألة اللفظ هي التي توضّح السردية الإضمارية بحيث عن طريقه نتكشف السرد المحذوف لأغراض بلاغية وفنية.

فالمدار - إذن- لفظي بالأساس وفي هذا السياق تقول ناتالي ساروت"لا شيء كان يوجد خارج الألفاظ ولا شيء كان يسبق وجودها" [2] .

يمكن أن نطلق على النوع السردي بالسرد الإضماري، أو المولّد أو المغيب أو الصامت. وإن كنت أفضل له التسمية الأولى.

غير أن هذا السرد ما هو إلا نتاج لغوي يصنعه اللفظ حين يحذف، مما يستدعي البحث عن المعنى المحذوف الذي يشيعه ذلك الحرف أو تلك الكلمة المكثفة المعلنة عبر النص تارة، والمحذوفة تارة أخرى.

ولعل هذا الكشف والاستجلاء هي مهمة يضطلع بها القارئ، الأمر الذي يحدد غاية الإضمارية. ولعمري فهي سمة تنطق بها الحداثة في الإنجازات السردية الجديدة، يكون قد أصّلها القرآن بحضورها فيه.

ولن تكون مشاركة القارئ في النص الإبداعي حاضرة، إلا إذا تعمد السارد تقنية الإضمار، وذلك ليشغل ذهنيته ويدفعه نحو الابتكار ويوقظ اهتمامه ويشركه في مجريات النص.

(1) نفسه ص34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت