فهرس الكتاب
إن السردية الإضمارية تتأسس على اللفظة القرآنية، بحيث يمكنك الوصول إلى المضمر من خلال الظاهر، إذا عايناه ورصدناه وربطناه بمضمون القص الذي سيق فيه. لأن المفردة القرآنية"تكاد تستقل- بجرسها ونغمها- بتصوير لوحة كاملة يكون فيها اللون زاهيًا أو شاحبًا، وفيها الظل شفيفًا أو كثيفًا.. فحين تتسمع همس السين المكررة تكاد تستشف نعومة ظلها مثلما تستريح إلى خفة وقعها في قوله تعالى { فَلاَ أُقْسِمُ بالخنَّسِ الجَوَارِ الكُنَّسِ، واللَّيلِ إذا عَسْعَسَ والصُّبْح إذَا تَنَفّسَ } [1] . ويضيف صبحي صالح:"ولا أحسبك إلا مستشعرا عنف لفظ الكبكبة في قوله تعالى { فَكُبْكِبُوا فِيَها هُمْ والغَاوُونَ وَجُنُود إبليِسَ أجْمَعُونَ } حتى لتكاد تتصور أولائك المجرمين يكبون على وجوههم أو على مناخرهم ويلقون إلقاء المهملين فلا يقيم لهم وزنًا" [2] ."
فلفظة (عسعس) تبين شدة سواد الليل وتزاحمه فهو يدفع بعضه بعضًا. ثم هي تُخفي وراءها تراكمًا زمنيًا لفترة جاهلية، عاش أهلها في الظلمات الحالكات في أحضان عقيدة أبوية طاغية متطرفة.
وكلمة (تنفس) يختفي وراءها سرد طويل يصور ذلك النور الإلهي وتلك الرسالة المحمدية، التي بددت الجهل وأنارت الطريق وأخرجت الناس من الظلمات إلى النور بفضل ذلك الفيض الإلهي. وأما كلمة (فكبكبوا) فتنقل إليك صورة المجرمين وهم يلقون في النار في شكل تكورات متتابعة. ألا تعكس هذه الكلمة حركات دائرية نحو النار؟
فأنت ترى، كيف أن السرد أُضمر وراء هذه الكلمات الثلاث.
إن سياق السرد الإضماري -في جوهره- تسجيل للفتة تبليغية
غير أن علة إخفائه ترجع لخصيصة يقتضيها السارد منها: توضيح ثقل المفردة القرآنية المفتوحة على التوالد والإفضائية والتي هي -في نهاية الأمر- تبيان لعظمة النظم وإعجازيته.
(1) د. صبحي الصالح: مباحث في علوم القرآن- ص387.
(2) نفسه ص387.