فهرس الكتاب
وفي هذا يقول الرافعي:"ولو تدبرت ألفاظ القرآن في نظمها، لرأيت حركاتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب، مجرى الحروف أنفسها فيما هي له من أمر الفصاحة فيهيئ بعضها لبعض، ويساند بعضا، ولن تجدها إلا مؤتلفة مع أصوات الحروف مساوقة لها في النظم الموسيقي" [1] .
وكما أومأنا في البداية، من أن الله إذا خاطب بني إسرائيل أفاض في الكلام. آية ذلك أن قصصهم في القرآن مكررة في مواطن مختلفة وقلما"نجد قصة لبني إسرائيل في القرآن إلا مطولة مشروحة ومكررة في مواضع معادة، لبعد فهمهم وتأخر معرفتهم" [2] .
وإذا خاطب أرباب البيان جعل الكلام مبنيًا على الإشارة والإيحاء والحذف. وهي تقنية فنية تميزت بها الخطابية العربية، وقد يصبح الحذف أو الاختصار أو الإيجاز دالًا على مفهوم البلاغة عند العرب.
وفي هذا الشأن قال أبو العباس:"من كلام العرب الاختصار المفهم، والإطناب المفخم، وقد يقع الإيماء إلى شيء فيغني ذوي الألباب عن كشفه" [3] .
وهذه الشيم الأسلوبية ما هي إلا صور للسرد الإضماري الذي نقصده. لأن المضمر يبقى أثره مقدّرًا في اللفظ، الشيء الذي جعل النحويين يقولون: (أن) تنصب ظاهرة ومضمرة.
ونجد أن ميمون يرد قول النحاة بقوله:"إن الفاعل يحذف في باب المصدر، وقال: الصواب أن يقال: يضمر ولا يحذف، لأنه عمدة في الكلام" [4] وعلى هذا، فالإضمار أبلغ من الحذف.
إن السرد الإضماري في القرآن يتخذ أشكالًا عديدة نفصلها حالا.
1-شكل إضمار حرف:
إن هذه التقنية الإضمارية تظهر في مواطن شتى في النص القرآني، ولا يمكن الوقوف عليها كلها بل نكتفي بقدر معين منها، فمثلًا قوله تعالى { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمّ بِهَا } .
(1) الرافعي: إعجاز القرآن والبلاغة النبوية - ص297.
(2) أبو هلال العسكري: الصناعتين -ص144
(3) المبرد: الكامل في اللغة والأدب ج1-2 ص17.
(4) الزركشي: البرهان في علوم القرآن- ج3-ص103.