الصفحة 37 من 113

بسبب شيء آخر وأما التوادد فالمراد به التواصل الجالب للمحبة كالتزاور والتهادي وأما التعاطف فالمراد به إعانة بعضهم بعضا كما يعطف الثوب عليه ليقويه. والمؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. وان اشتكى رأسه كله قوله كمثل الجسد أي بالنسبة إلى جميع أعضائه ووجه التشبيه فيه التوافق في التعب والراحة قوله تداعى أي دعا بعضه بعضا إلى المشاركة في الألم ومنه قولهم تداعت الحيطان أي تساقطت أو كادت قوله بالسهر والحمى أما السهر فلأن الألم يمنع النوم وأما الحمى فلأن فقد النوم يثيرها وقد عرف أهل الحذق الحمى بأنها حرارة غريزية تشتعل في القلب فتشب منه في جميع البدن فتشتعل اشتعالا يضر بالأفعال الطبيعية قال القاضي عياض فتشبيهه المؤمنين بالجسد الواحد تمثيل صحيح وفيه تقريب للفهم وإظهار للمعاني في الصور المرئية وفيه تعظيم حقوق المسلمين والحض على تعاونهم وملاطفة بعضهم بعضا وقال بن أبي جمرة شبه النبي صلى الله عليه و سلم الإيمان بالجسد وأهله بالأعضاء لأن الإيمان أصل وفروعه التكاليف فإذا أخل المرء بشيء من التكاليف شأن ذلك الاخلال الأصل وكذلك الجسد أصل كالشجرة وأعضاؤه كالأغصان فإذا اشتكى عضو من الأعضاء اشتكت الأعضاء كلها كالشجرة إذا ضرب غصن من أغصانها اهتزت الأغصان كلها بالتحرك والاضطراب.

صحيح البخارى: {عن النبي صلى الله عليه و سلم قال (ما من مسلم غرس غرسا فأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له صدقة) } .

مشكل الآثار للطحاوي: (( عن النبي عليه السلام قال: «من بنى بنيانا في غير ظلم، ولا اعتداء أو غرس غرسا في غير ظلم ولا اعتداء كان أجره جاريا ما انتفع به أحد من خلق الرحمن تبارك وتعالى» ) ).

فيض القدير: { (من غرس غرسا لم يأكل منه آدمي ولا خلق من خلق الله إلا كان له صدقة) أي يثاب عليه ثواب الصدقة وإن لم يكن باختياره ولم يعلم به وهذا الحديث كما ترى مدح لعمارة الأرض ويوافقه قوله تعالى * (واستعمركم فيها) [هود: 16] وقوله * (أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها) [الروم: 9] وورد في أخبار وآيات أخر ذم عمارتها، كخبر: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها، وفي الحقيقة لا تعارض ولا تخالف فإن ما جاء في ذم الدنيا وعمارتها فباعتبار من رضيها حقا لنفسه وجعلها قاضية مراده كما قال تعالى * (ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها) [يونس: 7] وما جاء في مدحها فباعتبار تناولها واتفاق ما يحصل من الغلات على ما يحمد، ولذلك قال علي كرم الله وجهه: الدنيا دار تجارة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها.} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت