فهرس الكتاب
أما الأولى ، وهي أنه صديقًا نبيًا . فلا ريب أن مغزى الآية هو الثناء على إبراهيم بفضيلة الصدق . بيد أن الصدق صدقان: صدق ممدوح وآخر مذموم . كما أن الكذب كذبان: كذب ممدوح وآخر مذموم . وقد يجب الكذب أحيانًا ، كما يحرم الصدق أحيانًا . وقد يزم الصادق تارة ، كما يحمد الكاذب أخرى . فالممدوح من الكذب هو ما كان فيه مصلحة دينية ، أو دفع مظلمة ، أو فساد . والمذموم من الصدق هو ما جلب أحد هذه المفاسد أو كلها . فلو سألك ظالم عن إنسان يريد أن يقتله ظلمًا ، وكان يترتب على أن تصدقه قتله ، لوجب عليك أن تكذبه ، ولحرم عليك صدقه . ولو كان في منزل أحدنا أحد أنبياء الله ، فجاء من يريد إيذاءه ، أو قتله لوجب علينا ألا نخبر بوجوده ، ولكان الكذب فضيلة ، والصدق هو الجريمة . ولو سألك عدو للمسلمين عن موطن ضعفهم ، وعن مقتلهم ، لما جاز لك أن تخبره الخبر على وجهه وللزم التضليل لذلك العدو . ولو كان يترتب على كذب المصريين جميعًا أن يخرج الإنجليز من مصر ، وأن يستقلوا في بلادهم ، لكان كذب المصريين كافة من الواجبات المقدسة الدينية والوطنية . ولو رأيت من يريد الفجور بامرأة ، وكنت قادرًا على دفع الفجور بالكذب ، للزم أن تكذب .