فهرس الكتاب
وبالإجمال فكل كذب يجلب مصالح عامة للدين ، أو للوطن ، فهو من الفضائل . وكل صدق يجلب فسادًا أو عدوانًا للدين أو الوطن فهو من الرذائل . وسر الكذب أنه ليس مذمومًا لأنه مؤلف من"ك . ذ . ب"وأن الصدق ليس ممدوحًا لأنه مركب من"ص . د . ق"بل مدحهما وذمهما لما يثمرانه من فساد وصلاح . وقد كان رسول الله عليه السلام يورى في حروبه ، ويقول"الحرب خدعة"وكان يجوز لأصحابه أن يكذبوا ، وأن يقولوا فيه وفي دينه ما تدعو إليه الحاجة إذا أراد المكنة من أعداء الإسلام ، وصناديد الضلال الذين وقفوا في طريق دعوته ، وخانوا عهوده , ونقضوا مواثيقه ، وأسرفوا في التأليب عليه وعلى دينه . كما أباح لمحمد بن مسلمة أن يقول ما شاء في قتله كعب بن الأشرف اليهودي الذي آذى الله ورسوله ، وأخذ يدعو العرب وغيرهم لحرب الإسلام وحرب المسلمين بما أوتي من جاه ومال . وقد كان رسول الله عليه السلام راكبًا مع أبي بكر رضي الله عنه في سفر الهجرة ، فكان الناس يعرفون أبا بكر يجهلون رسول الله . فكانوا يسألون أبا بكر من هذا الذي معك ؟ فيقول"هذا هاد يهديني السبيل"فيفهمون أنه يريد الطريق . وهو يريد السبيل إلى الله . وقد صح في مسلم عن رسول الله عليه السلام أنه قال:"ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيرًا وينمي خيرًا"وفيه أيضًا عنه أنه لم يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث: في الحرب ، والإصلاح بين الناس ، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها .
إذا كان الصدق منه الممدوح والمذموم لم يمكن أن يمدح إبراهيم عليه السلام بالصدق المذموم البتة . الآية تريد مدحه الريب . فلا تعارض بين الحديث بين هذه الآية كما ترى . وهذه الكذبات المذكورة هي من الكذب الممدوح المباح الذي قد دفع عدوان المعتدي ، وفيه حفظ عرض من أشرف الأعراض وخذلان كافر من أظلم الظالمين . ولهذا يقول إنها في ذات الله . فالآية في شط والحديث في آخر .