فهرس الكتاب
ثم إننا إذا أردنا أن نفهم قوله ( صديقًا ) من حيث ما يدل الوضع العربي لم يدل على ما قالوه . فإن"الصديق"هو كثير الصدق مبالغة في"صادق"وليس معناه المعصوم الذي لا يكذب .
وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عبدالله بن مسعود عن رسول الله غليه
السلام أنه قال:"لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا ، ولا يزال يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا"فهل معناه أنه يكون معصومًا من الكذب ، او من الصدق . وأمثال ذلك في لسان العرب . فمثلًا"الطيِّع"هو كثير الطاعة مبالغة في"طائع"وليس معناه الذي لا يعصي أبدًا . وكذا"الكذاب"وهو كثير الكذب و ليس هو الذ لا يصدق . هذا عن الشبهة الأولى .
وأما الشبهة الثانية ، وهي أنه لو كذب لما وثق بشيء من قوله فيقال نحن: لا نجوز عليه الكذب المذموم الممنوع ، ولا الكذب في الوحي والتبليغ فيلزم ما قالوا . وإنما نجوز من ذلك مثل ما في هذا الحديث وهو الكذب الذي فيه دفاع عن الفضائل والآداب والأعراض والدماء من غير أن يكون منه شيء في التبليغ فليس بلازم ما ذكروه .
وهذا كما نعلم أنه جائز لكل مسلم أن يكذب إذا كان في كذبه مصلحة عامة راجحة على صدقه ، أو كان فيه دفع عدوان عن عرض أو دين أو فضيلة كما أسلفنا . وهذا لا يسلب جميع المسلمين العدالة وصفة الأمانة .
وأيضًا قد قامت البراهين على أن الأنبياء عليهم السلام معصومون في التبليغ والوحي ، ولا يطعن في عصمتهم ما ذكرنا . وكل شيء يجب أن يكون موجودًا إذا وجد برهانه . وبرهان عصمة الأنبياء موجود مطلقًا فيجب أن تكون لهم العصمة مطلقًا . وهذا قول لا يرد ، إلا أن يزعم المخالف أنه ليس له برهان على عصمتهم إلا إذا كذب هذا الحديث ومافي معناه . وهو غير ممكن أن يقوله .