الصفحة 107 من 186

وأيضًا هذه الشبهة لاحقة النسيان والخطأ في الاجتهاد . وقد يخطئون فيما اجتهدوا فيه ـ لكن لا يقرون على الخطأ ـ لا فيما قالوه وحيًا عن الله . فما كان جوابا عن النسيان والاجتهاد كان جوابًا عن هذا الحديث سواء . هذه الشبهة الثانية .

وأما الشبهة الثالثة ، وهي أن الأشياء المذكورة عن إبراهيم معاريض وليست من الكذب . فيقال: هذا أمر راجع إلى اللغة ، لا إلى النظر والعقل ، ولا ريب أن المعاريض تسمى كذبا . فإن المتكلم المخبر يعنى بكلامه معنى في نفسه ، ويريد أن يفهم من يخبره معنى . فإن كان الواقع مخالفا لما يريد أن يفهمه المخبر السامع ، فهذا هو الكذب المحض البريء من

الصدق ، وإن كان مخالفًا لما يريد أن يفهم السامع فقط فهو كذب من جهة التفهيم ، صدق من جهة ما يعنيه. فهو كذب من جهة، صدق من جهة أخرى وهذا ما يسمى بالمعاريض في اللغة .

ولا ريب أنه لو سأل سائل عم إنسان معك فقال لك: من هذا ؟ فقلت: هذا أخي . وأنت تريد أن تفهمه أنه أخوك من النسب ، وفهم أنه كذلك ، وهو في الواقع بعيد النسب عنك ، وإنما أردت أخوة الإسلام ، لكنت كاذبا ، ولشمل قولك هذا تعريف الكذب . ولو كان عليك لأحد دين ، فطالبك ، فقلت ليس عليَّ له شيء ، وأقسمت على ذلك ، لكنت كاذبًا آثمًا وإن كنت تعني معنى آخر في نفسك صدقا . وكذا أمثال ذلك في الكلام . وأقوال إبراهيم عليه السلام هي من هذا القسم . ومن الإسراف الذي لا يرضاه الله أن نرد الأخبار الثابتة في الاختلاف على موضوع لغوي لم يتثبت منه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت