الصفحة 108 من 186

وأيضًا الذي يبدو من القرآن أن هذه الأقوال منه عليه السلام كذب محض في ذات الله ، لإذلال الكفر والضلال ، وليست من المعاريض ، ولا سيما قوله ( بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ) والتآويل التي يحملونها هذه الآية لا تصح . وذلك كما كان بعضهم يقف في القراءة على قوله ( بل فعله ) ويبتدئ بقوله ( كبيرهم هذا ) ولا يريد أن يكون ( كبيرهم ) هو الفاعل . ويجعل ( كبيرهم هذا ) مبتدأ وخبرًا . وهذا ضرب من الألغاز والتعمية لا يوجد في كلام من يريد أن يفهم مراده . وكما يقول فريق: إن قوله ( بل فعله ) مشروط بقوله ( إن كانوا ينطقون ) أي فهم لا ينطقون ، فهو لم يفعله . وهذان القولان مبنيان على أن إبراهيم كان عربي اللسان . وما كان كذلك . ومراد إبراهيم عليه السلام بقوله هذا أن يوبخهم ، وأن يفند آراءهم ، وأن ينبههم إلى غلطهم وضلالهم بأسلوب لا يضطرهم إلى الانجفال منه . لأنه إذا قال: إن الذي كسر الأصنام هو الصنم الكبير عرفوا أنه لا يمكن الصنم أن يكسر شيئا ، ولا أن يفعل شيئا . وعرفوا أنهم على ضلال في عبادتهم هذه الأصنام حاسبين أنها تقضي لهم شيئا ، وتدفع عنهم شيئا ، وعرفوا أن الدعوى بأن كبيرهم هو الذي كسرها لا تقبل ، وعرفوا أن زعمهم فيها ما يزعمون كذلك لا يقبل ، فنتج المطلوب الذي كان يقصده عليه السلام ، وهو أن يعرفوا في أنفسهم أنهم في ضلال مبين ، وأن أصنامهم ليس لها أن تفعل ، ولا أن تعبد ، ولا أن ترجى . وهذا من محكم الرد على المخالف وحكيمه . ولقد أخذ هذا الرد مجراه ، وبلغ من

أنفسهم ما أراده عليه السلام فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا ( انكم انتم الظالمون ) ولكن العناد سحبهم بعد إلى ضلالهم وإلى مشاكسة الحق بعد عرفانه . وهذا شأن كثير ممن أضله الله قديمًا وحديثًا ( ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت