فهرس الكتاب
وقد جاء في صحيح مسلم في حديث الشفاعة أن أحد كذباته عليه السلام هي قوله للشمس والقمر والكوكب ( هذا ربي ) من سورة الأنعام . ولم يذكر قصة الجبار . وهذا ظاهر في أنه أراد الكذب الصريح في ذات الله . وما يذكره بعض الناس في الآية من التقدير"أهذا ربي ؟"على أن هناك استفهامًا حذف فهو ضعيف جدًا من جهة اللغة ومن جهة سياق الآية نفسها . وقوم إبراهيم كانوا يعبدون الشمس والقمر والنجوم، فأراد عليه السلام أن يستدرجهم ، وأن يبطل ما يذهبون إليه بطريقة خفيفة لطيفة لا يهربون منها ، ولا ينكرونها ، فيدعى لهم أولا أنه منهم ، وأنه على رأيهم ليستأنسوا به وبما يقول ، وليستمعوا إليه ثم يرجع على عقيدتهم بالإبطال تدريجيًا شيئًا فشيئًا ، فيبطل أولا إلوهية الكوكب لما يشاهده هو وهم فيه من أمارات التسخير و التصريف الاضطراري لمصرف قاهر فوقه . وذلك أنه مسوق ومقود إلى جهة معينة ، في مواعيد معينة ، في سرعة معينة ، لا يعدوها ولا يقدر أن يعدوها . وهذا ظاهر عليه وعلى سائر ما نرى من المخلوقات . والإله لا يكون مسخرًا مذللا مقهورًا . وهذا معنى ( لا أحب الآفلين ) ثم يفعل ذلك في جميع معبوداتهم حتى الشمس التي هي أعظم ما يرى وأجمله وأضواؤه بذلك البرهان العجيب وهو ما يشاهد فيها من الضعف والسير البريء من الاختيار الذي لا يمكن أن تخرج عنه ومن نظر إلى الشمس وإلى سيرها بل إلى الأفلاك كلها علم ضرورة أنها مصرّفة مسوقة بلا اختيار وأنها تسبح في أفلاكها سبوحًا قهريًا ليس لها فيه إرادة . وإلى هذا الإشارة بقوله ( لا أحب الآفلين ) .