فهرس الكتاب
الكذب كان في ذات الله، ولأجل الله ورضوانه فما فيه شيء، وليس بحرام . بل قد يكون جائزا ، وقد يكون واجبًا إذا ما كان الصدق فيه فساد في الأرض أو خذلان لحق كما قدمنا . وكيف يكون الواجب بشعًا ، وكيف لا يكون التحديث عنه جائزًا لا شيء فيه .
وأيضًا إن مثل هذه العبارة ضرب من ضروب المدح والثناء ، ضرب من الإطراء . فإذا قيل: لم يكن من فلان في حياته كلها كذب ـ لا في هزل ولا في جد ـ إلا في ثلاث كذبات كان ذلك القول في أقصى عبارات المدح . وهذا كما يقال"كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه"، فحصر عيب الإنسان لا يكون عيبًا . فإذا قيل: لم يعص فلان إلا مرتين في حياته كان هذا القول مديحًا قطعًا . وليس معناه أن الكذب نفسه ممدوح ، ولكن المدح يؤخذ من العبارة كلها .
وأيضًا قد ذكر القرآن في حق الأنبياء عبارات قد تكون مثل نسبة الكذب إلى إبراهيم وقد تكون أشد . فقال في خاتمهم ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) وقال ( واستغفر لذنبك ) وقال في آدم ( وعصى آدم ربه فغوى ) وقال ( وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعًا وأناب فغفرنا له ذلك ) وهذا في القرآن غالب .
وحينئذٍ يقال: هذه الكلمات إما أتكون على ظاهرها ، وأنه وقع منهم ذنوب ، فلتكن كذبات إبراهيم منها ولتكن من الذنوب الجائزة في حق الأنبياء . وإما ألا تكون على ظاهرها ، وأنهم ليست لهم ذنوب في الحقيقة ، وتلك الآيات مذهوب بها عن ظاهرها . فيقال: إذًا لماذا اختار هذا التعبير البشع الذي يوهم النقصان ؟ ولماذا لم يأت بالعبارات البعيدة عن ذلك ؟ وهذا السؤال في الآيات كالسؤال في الحديث . فما كان جوابًا عن الآيات كان جوابًا عن الحديث .
حديث الذي حرق نفسه