فهرس الكتاب
عن أبي هريرة عن رسول الله عليه السلام قال:"قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مت فحرقوني ، ثم اذروا نصفي في البحر ونصفي في البر ، فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين . فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم . فأمر الله البحر فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه ثم قال: لم فعلت هذا ؟ قال: من خشيتك يا ربي ، وأنت أعلم ."
فغفر الله له"رواه البخاري ومسلم . وروياه أيضًا من حديث أبي سعيد . ورواه البخاري عن حذيفة ."
قد عد هذا الحديث قوم مشكلا فإن ظاهره أن الرجل كان شاكا في قدرة الله لأنه قال لئن قدر الله عليّ . وقد غفر له . ومن شك في قدرة الله لم يكن مسلمًا . ومن لم يكن مسلمًا لم يكن أهلًا لأن يغفر له . فالحديث من المشكلات .
فأجابت طائفة قالت: إن"قدر"هنا بمعنى ضيق كقوله تعالى ( يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) وقوله: ( وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ) وقوله في ذي النون ( إذ ذهب مغاضبًا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات ) كل ذلك صائر إلى معنى ضيق .
وهذا القول ضعيف لأن تقدير الكلام إلى"لئن عذبني ليعذبني"وهذا يقرب من إتحاد الجزاء والشرط ، لأن التضييق لا يعبر به في الكلام الفصيح عما في الآخرة، وعما بعد الموت . وإنما يستعمل في الدنيا وضيقها وفقرها وبؤسها . وأما الآخرة ففيها العذاب والآلام والنيران الحامية . فما معنى التضييق في الآخرة . على كل حال سياق الكلام يأبى هذا القول .
قالت طائفة: كان جائزًا في الشرائع الأول أن يغفر لمن كفر ، وهذا الرجل الذي شك في قدرة الله كان من بني إسرائيل . وهذا قول لا يلتفت إليه .
وقالت طائفة: إن الجاهل قد يعذر بجهله ، وإن جاء كافرًا ، ما دام غير متعمد وهذا الرجل جاهلا . فهو معذور غير مأخوذ . وهذا القول كالأول لا يعتد به . ولو صح لنجا اليهود والنصارى وطوائف الكفر الذين كفروا بجهالة وما كانوا عالمين .