فهرس الكتاب
وقد حسب هذا الرجل أنه إذا فرق نفسه ذرات في القفار والبحار كان أهون على الله من أن يجمعه وأن يحاسبه ، وكان أقل في نظر نفسه من أن يعبأ الله بجمع تلك الأجزاء الحقيرة الضائعة المبعثرة . هذا ما كان حسب ، وما كان قدر في عقله . ولا يمكن أن يكون شاكا في قدرة الله . والحديث يدل على أنه مؤمن به خائف منه ومن عقابه , مؤمن بعذابه وحسابه . حتى إن القصة يتبادر منها أنه كان مليًا بسيطًا ليس بالفيلسوف الباحث . ومثل هذا لا يكاد يصح أن يكون منكرًا لقدرة الله . هذا تحقيق كلمة القدرة هنا .
شبهة أخرى:-
فإن قلت: ما قلت في كلمة القدرة لا بأس به إلا أن في الحديث إشكالا آخر . وذلك أن
صنعه هذا يدل على أنه كان شاكا في بعثه وبعث من تفرقت أجزاؤه , ولو لم يكن كذلك لما حرق نفسه وذراها . وقوله"لئن قدر عليّ"التي فسرتها بالفعل يدل على شكه أيضا . وإذا كان شاكا في البعث فكيف غفر الله له والشك في البعث كفران ؟ وهل الكافر يغفر له ؟
قلت: أغلب الناس لا يعرف دليل البعث إلا من الشرع ، ولا يعرفه من العقل . فالبعث عند هذا الصنف من الأمور السمعية النقليّة لا الأمور العقلية . فلا تقوم الحجة عليه إلا بأن يطلع على السمعي القائل بذلك . أما إذا جهل السمعي ، وأنكره بناء على جهله ، فلا تقوم عليه حجة . وهذا الرجل ما كان عالمًا بدلائل البعث الشرعية ، ولم يعرفه بعقله ، فشك فيه جاهلا ، فكان معذورًا . ومثل هذا من الشك قي بعض أحوال الآخرة ، وأهوال يوم القيامة ، وصفات الجنة والنار أعاذنا الله منها لأنه لم يعلم الآية التي ذكرت عددها ، أو شك في الصراط وفي صفته لم يكفر . ولا خلاف في ذلك .
شبهة ثالثة في الحديث: