الصفحة 118 من 186

والجواب الثاني ـ إن العمل إذا أطلق إطلاقًا ، كما قيل عمل فلان عملا صالحا ، أو عمل سيئًا ، لا يذهب عند هذا الإطلاق إلا الأعمال الجوارح من صلاة وصيام وحج ونظائره ولا يذهب لأعمال القلب من الإيمان والتصديق والرحمة وحب العدل والحق وأمثاله . لهذا كثيرًا ما يقرن القرآن العمل الصالح بالإيمان مثل ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) الآيات . إذًا مراده هنا أنه لم يعمل عملًا مما تقوم به الجوارح لا أنه لم يؤمن .

فإذا قلت: وهل تارك الأعمال كالصلاة والصيام يغفر له ؟! أوليس تارك ذلك كافرًا كما صح عن رسول الله عليه السلام بالأسانيد الصحيحة ؟! .

قلت أولًا: لعل هذا الرجل ما كان آمن إلا في آخر حياته . فلم يمكنه أن يؤدي عملًا من الأعمال . وذلك ككافر أسلم بعد ما طلعت الشمس فمات قبل أن تجب صلاة الظهر فإنه يغفر له ، وهو لم يعمل خيرًا قط .

وقلت ثانيًا: لعل أعمال الجوارح في الأمم الذاهبة ليست شريطة للغفران والقبول وبهذا زال والحمد لله من الحديث كل إشكال ، وأصبح حديثا جليلا دالا على ما في عفو الله من سعة ، وعلى ما في خوفه من أجر ومثوبة . والخوف من الله هو لباب العبادة . ومادة التقوى . فمن لا خوف له لا تقوى له .

تعذيب الميت ببكاء الحي عليه

روى البخاري ومسلم وغيرهما من طرق مختلفة عن جماعة من صحابة رسول الله عليه السلام أنه قال:"إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه"وفي رواية ببعض بكاء أهله"وفي"

لفظ"يعذب ببكاء الحي عليه"

قامت الدلائل القطعية الدينية التي لا تتحمل الجدال على أن المرء لا يؤاخذ بما قدمت يداه ، وبما جناه . والقرآن الكريم دال بجملته على ذلك . لهذا كان الحديث مشكلا جد الإشكال . لأن ظاهره يقاوم هذه القطعيات الدينية . فافترقت الآراء هنا ، وكثرت الأقاويل في شرحه والعثور على معناه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت