فهرس الكتاب
وقد أنكرته طائفة ، منهم عائشة زوج النبي . رواه عنها البخاري ومسلم . وقالت حسبكم القرآن فإنه يقول ( ألا تزر وازرة وزر أخرى )
وقالت طائفة: إنما يكون ذلك إذا أوصى الميت أهله بالبكاء عليه فإنه يعذب حينئذٍ وإلا فلا . وكان من عادة العرب أن يوصوا بالنياح عليهم ، وهو موجود في أشعارهم .
وقالت طائفة: هذا لمن أهمل تعليم أهله أن النياحة محرمة . فإنه يعذب لأنه لم يعلم أهله ما يتقون ، وما يجلب سخط الله ، وهو راع لهم مسئول عن رعيته ، وهو القوام عليهم .
وقالت طائفة: هذا في الكفار والمشركين لا المسلمين .
وقالت طائفة: هذا وارد في إنسان بعينه، والألف واللام في الميت للعهد لا للإستغراق.
وقالت طائفة بظاهره ، وعقلت أن الميت يعذب بما يبكي عليه ولم تكترث أن تخالف الدلائل القطعية . وقد قيل غير ذلك .
وهذه أقوال لا تطمئن النفس إلى شيء منها ، ولا يسكن عندها الضمير .
الجواب الصحيح:
والجواب الصحيح الذي لا يعدل عنه أن العذاب هنا هو التألم لا العقاب ، فإن الميت يسمع بكاء الباكين عليه ، ويسمع ما يقولون فيه ، كما يسمع قرع نعال الدافنين إذا إنصرفوا عنه ، فيتألم لذلك ويحزنه بكاؤهم شفقة عليهم ورحمة بهم كما يتألم لو كان حيًا . والتعذيب هو الإيجاع والإيلام أوسع معنى من العقاب وليس من ريب أنه يوجعه بكاء أحبابه ، ويؤلمه إذا سمع منهم ذلك ، وسماع الأموات لبكاء الباكين له نظائر في الدين . فقد صح في الحديث أن الميت يسمع قرع نعال دافنيه إذا رجعوا عنه وصح أن رسول الله عليه السلام خاطب كفار بدر توبيخًا لهم وتعذيبًا وإيلامًا ، وقال لأصحابه"ما أنتم بأسمع منهم لما أقول ولكنهم لا يجيبون"