فهرس الكتاب
وقد جاء هذا المعنى مصرحًا به في حديث رواه الطبراني ، وحسنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري . قال صلى الله عليه وسلم فيه"أيغلب أحدكم أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفًا فإذا مات استرجع فو الذي نفسي محمد بيده أن أحدكم ليبكي فيستعبر إليه صويحبه فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم"وهذا فاصل في المسألة وفي معنى هذه الأحاديث .
وفيها تفسير آخر لعله جيد هو أن المراد بالميت هنا المحتضر لا الميت حقيقة ، كقوله صلى الله عليه وسلم"لقنوا موتاكم لا إله إلا الله"رواه مسلم . وقوله في حديث رواه الدار قطني"اقرؤوا على موتاكم يس"فالموتى في هذين الحديثين هم المحتضرون . وهذا استعمال جائز لغة وشرعا . وهو استعمال مشهور . ومعنى الحديث حينئذٍ أن المحتضرين يتألمون إذا بكى عليهم أهلوهم ، ويزيدهم ألما على ألمهم . فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يؤلموا موتاهم ، وأن يضاعفوا ما هم فيه من رحمة وشفقة بهم .
فان قيل: هذا حسن لولا أن في الروايات ما يدفعه . وذلك أن في إحدى روايات الحديث"ان الميت يعذب في قبره ببكاء الحي عليه". قلت: الذي يغلب أن هذه اللفظة غير محفوظة ، وإنما جاءت سهوًا من الرواة ، والسهو يكثر في مثل هذا . ولهذا نرى البخاري روى الحديث ولم يرو هذه اللفظة وإنما رواها مسلم في بعض ألفاظه . ومسلم يتساهل كثيرًا في التوابع والشواهد . ويزيدنا إطمئنانًا إلى أن هذه اللفظة سهو أن أمثالها يقع فيه السهو كثيرًا . وذلك أن الراوي يحسب أن العذاب المذكور لا يكون إلا في القبر ، فيتبادر إلى ذهنه وإلى لسانه زيادة ما حسب أنه هو المراد . وعلى هذا يخلص الحديث من شوائب الإعتراض . وحيث وجدنا للخبر الصحيح مذهبًا سليمًا من الشبهة وجب المصير إليه .
لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن رسول الله عليه السلام أنه قال:"لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين".