فهرس الكتاب
ونحن نقول: الحديث صحيح الإسناد ، صحيح المعنى . وهو من جوامع الكلم التي أوتيها رسول الله عليه السلام ، ومن العبارات التي يعجز عن بلوغها فحول البلغاء . وبيان ذلك أن المؤمن حقًا يجب أن يكون فطينًا ألمعيًا ، ذكيًا ، لا يخدع ولا يغلب على أمره ، بل يحتاط لنفسه ، ولدينه ، ولعرضه ، ولوطنه ، ولكل حرمة يجب الإحتفاظ بها ، والرعاية لها . ولا يكون كأقوام نراهم اليوم بلهاء مغفلين ، ينقادون لكل خادع ويقعون في حباله . يخدعون في دينهم ، وفي أعراضهم ، وفي أوطانهم ، وفي أموالهم وأنفسهم ، ثم لا يستيقظون ، ولا هم يتعظون ، تخدعهم الساسة على بلادهم ، ويخدعهم المبشرون على دينهم ، وتخدعهم الدنيا . وهم هم لهذه الخوادع كلها أذلة منقادون ، وفي أيديها سادرون داخرون . فليس هؤلاء من المؤمنين حقًا الذين قيل"المؤمنون"فهم المعنيون . وقد جاء في الخبر أن المؤمن كيس فطن . وقد وصف القرآن المؤمنين بالعقل والعلم والمعرفة ، ووصف الكافرين بالغباوة والجهالة والبلادة في غير ما آية من كتاب الله عز وجل . وهل يكون عاقلا من لا يبالي بالآخرة ، وهي الحياة التي لا تنقطع ، وينفق همه وهمته في الدنيا وهي الفانية الخادعة ؟ وليس بعاقل من آمن بالساعة وبالجنة والنار ، ثم لم يجعل ذلك هو الأمر الذي له يهتم ويتعب وينصب ، بل ليس بعاقل من يشك في الآخرة وثوابها وعقابها ، ثم لا يبحث إلى اليقين ، ولا يحتاط لنفسه ، ويأخذ لها الحيطة . ونحن نحسب من يقدم على الشر الذي يشك في وقوعه فيه أحمق . فكيف بمن آمن بالآخرة ، وجنتها ، ونارها ، ثم نسى ذلك ؟! أوليس ذلك أوفر الخليقة حمقًا وغباءً ؟! .
فالحديث وصف للمؤمنين بالفطانة ، والرزانة ، والتثبت ، والإحتياط . فهو لا يريد الجحر حقيقة ، ولا العدد حقيقة ، ولا اللدغ حقيقة ، بل هو أعلى من ذلك . هو مثل ـ كما