الصفحة 123 من 186

رأيت ـ لحال المؤمن الصحيح الإيمان . فحالة الفطنة ، والرزانة ، والتدبر فيما يأتي وما يذر . يفكر ثم يعمل . يفكر في المخرج قبل أن يصمم على المدخل . فلا يتقرب إلى الله بعبادة ، أو قربة ، حتى يعلم أن ذلك طاعة لله ، وأن الله طلبه من عباده ، فلا يبتدع ولا يخترع ، ولا يقول على الله قولا حتى يعلم أن الله قاله ، أو أن رسوله قاله ، ولا يقطع أمرًا فبل أن يعرف أنه نافع لدينه أو دنياه ، بل يعقل ذلك كله ، ثم يقدم عليه مطمئنًا رشيد الخطوة . فلا يهوى في غضب الله ، أو في إيذاء نفسه وأهله وصحبه . ذلك هو المؤمن حقًا ، وذلك هو ما يعنيه حديث رسول الله . وقد كان المؤمنون الأولون كذلك ، بل فوق ذلك ، فأحرزوا الدنيا ، وجنة الأخرى ، وكانوا ملوك الدنيا ، وملائكة الأخرى ، أو ملوك الأرض وملائكة السماء .

والذين جعلوا الحديث مشكلًا هم الذين حسبوا أن العدد مراد حقيقة ، وأن الجحر مراد حقيقة ، وأن اللدغ مراد حقيقة ، والحق أن الحديث لم يعن من ذلك شيئًا، وإنما عنى ما ذكرنا ، و به خلص الحديث من الإشكال ، وصار قاعدة من قواعد أخلاق المؤمنين العالية ، وهو صحيح سواء أقيل: إن الحديث على الإخبار ، وإن المعنى أن ذلك هو شأن المؤمنين ، ووصفهم اللازم الذي امتازوا به ، على شرط أن نعنى بالمؤمنين المؤمنين حقًا ، أم قيل: إنه على النهي ، وان المقصد نهي المؤمنين عن أن يكونوا بلهاء مغفلين . والقولان صحيحان شرعًا ولغةً . والحديث عليهما صحيح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت