الصفحة 130 من 186

وهذا الرأي لا تأباه اللغة والدين ، ونظائره موجودة معروفة في الكلام . فقد قال الله في حق موسى: ( قال ربي أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل ) ، وقال في حق اليهود ( فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدًا ) ولا ريب أن موسى سوف يرى الله في الآخرة ، وأن اليهود سوف يتمنون الموت وهم في أطباق النار فرارًا من ذلك العذاب النكر المستمر . فالنفي في الآية لحالة لا لكل حالة ، وفي زمن لا في كل زمن . وقال: ( فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ) ، وقال: ( إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنًا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب عظيم ) . ولا ريب أنه لا يريد أنهم لا يكلمون ولا يسألون أبدًا . فكذلك الروايات المذكورة ومثل هذا من الكلام أن ترى جماعة يتأهبون للحج هذا العام ، فيقولون لك: ألا تخرج معنا ؟ فتقول: لا ، أولا أخرج ، وأنت تعني أنك لا تخرج العام لا كل عام . وكذا ، فقلت لا أذهب ، كان مرادك أنك لا تذهب معه تلك الساعة لا في كل ساعة ، وكذا إذا قيل لك: كل اشرب واقعد واخرج ، فقلت لا أفعل ، كنت تريد أنك لا تفعل في تلك الساعة لا في كل ساعة . وهذا شيء واضح . وهذا كلام فصيح جائز في كل لغة . وكلام رسول الله يذهب به حيث تذهب العرب بكلامها . وكذلك قد تقول: فلان لا يتقي الله ، ولا يخاف الله ، إذا ما كانت تقواه وخوفه قليلين ، وإن كان أصل ذلك

موجودًا عنده . وتقول: فلان لا يخاف أحدًا ، ولا يحب أحدًا ، ولا يرجو أحدًا ، إذا ما نقص حظه من ذلك . ولست تريد أنه فقد ذلك جميعًا . فإن هذا لا يمكن .

وهذا التوجيه في الروايات يوافق الأخبار الصحيحة الكثيرة في أن طوائف من المسلمين يدخلون النار ويخرجون منها بعد أن يطهروا وينقوا من سيئات تلطخوا بها . وهذان التوجيهان هما أحسن ما يقال في الأخبار .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت