الصفحة 136 من 186

إذًا يجب أن نفهم حال رسول الله ، وحال الذين خاطبهم رسول الله بتلك الأحاديث لنستطيع فهمها ، ولنعصم من الضلال فيها . نظرنا فوجدنا الذين كانوا في زمن رسول الله عليه السلام ، والذين كان يخاطبهم رسول الله بتلك الأخبار ، لم يكونوا يأبون منه إلا الشهادتين . إلا أن يشهدوا أن لا معبود إلا الله ، وأن محمدًا رسول الله . فإذا ما أقر أحد منهم بذلك لم يأب الأعمال ، ولم يمتنع من القيام بالطاعات التي جاء بها , بل أذعن لذلك جملة . فالخلاف إذا بين

رسول الله وبين الناس في التوحيد والشهادتين ، لا في الأعمال . فإذًا قوله صلى الله عليه وسلم: ( من شهد أن لا إله إلا الله حرمه الله على النار ) يريد من قبل دعوته التي جاء بها ، وهي التوحيد والتصديق أنه رسول الله ، وذلك مستلزم للأعمال والطاعات . ولا يراد به إن يقول ذلك مع ترك الأعمال ، فإن هذا لم يكن موجودًا في المخاطبين ، ولا معهودًا في زمنهم . وحمل الأخبار على ما لا يعهد ولا يعلم لا يجوز مطلقًا . ومن حملها كذلك كان ضالًا . فقوله صلى الله عليه وسلم: ( من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ) معناه من آمن بالله وبرسول الله . وذلك يستتبع القبول لما جاء به ويستتبع العمل به ، وقد جاء بالأعمال وشعائر الإسلام وأوجب ذلك على المؤمنين ، وأوعد من لم يعمل بالنار والغضب . فمن لم يعمل بما جاء به لم يكن مؤمنًا صادقًا في إيمانه . ومثل ذلك أن تزعم أنك صديق لفلان ، وأنك حبيبه الخالص ، ثم لم تعمل مع هذا الزعم بما توجبه الصداقة ، وبما يشرعه الحب ، فإنه لا يمكن حينئذٍ أن يصدق أحد دعواك ، ولا يمكن أن تكون صديقه وحبيبه حقيقة . فإن المحب مطيع محبوبه لا محالة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت