الصفحة 141 من 186

وأما الثالث ، وهو أنها تسجد تحت العرش ، فنقول: قد اخبر القرآن أن كل شيء في السموات والأرض يسجد لله ، كما قال ? ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرهًا وظلالهم بالغدو والآصال ? ، وقال: ? ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس، وكثير حق عليه العذاب ? ، وقال: ? النجم والشجر يسجدان ? والآيات في هذا كثيرة . كما قد أخبر أن كل شيء قد أسلم له ، وكل شيء يسبحه ? وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ? ، ? سبح لله ما في السموات وما في الأرض ? ، ولا يراد بذلك سجود كسجود العقلاء . وإنما يعنى به أحد ما يأتي: -

إما أن يكون ذلك عبارة عن الانقياد والخضوع . والناس يسمون هذا سجودًا . كما قال الشاعر:

أبدو فيسجد من بالسوء يذكرني فلا أعاتبه صفحًا وإهوانا

وكما قال آخر:

فكيف بمن لو أنني لحت واقفًا هوى ساجدًا من خشيتي وقضى النحبا

وكما قال عمرو بن كلثوم:

إذا بلغ الفطام لنا صبيًا تخر له الجبابر ساجدينا

والمراد بهذا السجود الخشوع والإنقياد . ويقوي هذا التفسير قوله في الآية ? طوعًا وكرهًا ? ، وقوله: ? وظلالهم بالغدو والآصال ? .

وإما أن يكون المراد بالسجود الدلالة على الله . يعني أن هذه المخلوقات تدل على الله ، وعلى أنه يستحق أن يسجد له كل شيء ، وأن يعبده كل شيء . وهذا مجاز مشهور في اللغة . والتفسير الأول في السجود هو التفسير .

وأما تقييد السجود بأنه يكون تحت العرش فهو مبالغة في الإنقياد وعبارة عن تمام ذلك . كما يقال: فلان يسجد تحت قدمي فلان ، ويسجد تحت سريره ، وتحت عرش الملك . والمعنى في ذلك المبالغة ، ولا تراد الحقيقة . فقوله إنها تسجد تحت العرش يعنى أنها خاضعة له أكمل الخضوع وأتمه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت