الصفحة 149 من 186

هذه أخبار تلقاها المسلمون في صدر الإسلام ، فسهل عليهم العمل بها ، فعملوا بها ، ولم يجدوا بينهم وبين العمل به مانعًا ، ولا وجدوا في ذلك إشكالًا . فلما جاءت الحضارة الحاضرة بفنونها وزخرفتها ، وانتشرت الصور والمصورين ، وإمتلأت الدنيا بذلك ، ووجدت الصور في كل بيت وفي كل يد ، وفي كل جدار ، بل وكل شيء في الدنيا ، حينئذٍ وجدوا هذه الأحاديث مشكلة ، ووجدوا العمل بها لا يستطاع ، بل لا تستطاع معايشة من يريد العمل بها . فالصور والمصورون ، لازمة من لازمات الحياة في هذا العصر ، لا يمكن الغنى عنها . فالتصوير يحتاج إليه في الطب وفي السفر ، وفي الجغرافيا ، وفي الإستعانة على إصطياد المجرمين ، والتحزير منهم ، وفي ضروب العلم كلها ، فصار الناس في هذا طرفين: مُفْرطًا ومُفَرِّطًا ، ولا خير في الإفراط والتفريط . طرف منع التصوير مطلقًا ، ولم يجوز منه شيئًا ، وإن كان لازمًا من لازمات الحياة والعلم . وهذا الطرف هو طرف الجمود والركود ، الذي يعج منه العلم إلى الله عجيجًا . وطرف أباح التصوير مطلقًا ، ولم ير منه شيئًا حرامًا ، وإن كان

تماثيل ، يجعل خزانة الأمة يبابًا تشكو الفاقة والفقر ، وإن كان صور نساء عاريات فاتنات تجر إلى الأخلاق والأعراض والويلات ، وتذبح الفضائل ذبحًا . وهذا الطرف هو طرف المروق والإباحة . ولاحق ضائع بين هذين الطرفين يستصرخ أهل الإعتدال والإنصاف ، وينادي من يأخذ بيده .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت