فهرس الكتاب
ونحن نقول إنه لمن الظلم الممقوت أن نجوز هذه التماثيل الهائلة المقامة على عمد الذهب والفضة ، والتي تأتي على مال الدولة فلا تدع فيه شيئًا في زمن يبكي فيه أكثر الأمة المسكينة جوعًا وعريًا . وليس لهذه التماثيل فائدة تحس أو تعقل ، لا للفرد ولا للجماعة . لا شك في أن مثل هذا لا يجوز في دين ولا عقل . ومن العدوان على الأديان والفضائل أن تباح هذه الصور العاريات المفضوحات ، وأن تتناقلها أيدي العذارى الملتهبات شبابًا وصبوة ، والشبان الذين يذوبون صبابة في كل وجه حسن ، ولو على الورق ، أو في أخيلتهم ، وأن تمتلئ أعينهم بها . ولا يفارقنا الصواب إذا قلنا إن هذه الصور العارية من أقوى عوامل ما نراه اليوم في هذا البلد من فساد الأخلاق وخروج على الفضيلة والدين ، بل هو من العوامل القريبة للأزمة الزوجية التي يعانيها اليوم كل بيت حقير أو رفيع في مصر وغيرها .
فمن أحل هذا النوع من الصور فقد جنى على الديانات والأخلاق والوطن شر الجنايات . كما أن من حرم الصور التي يستعين بها الطب والعلوم فقد جنى على الوطن والعلوم شر الجنايات ، بل وعلى الدين ، واجتهد في التنفير عنه عنه وفي تشويهه .
إذًا فالتصوير قسمان: حرام وحلال . وضار ونافع . والمصورون كذلك فريقان: مفسدون ، ومحسنون . فالقسم الأول هو الذي عنته الأحاديث ، وزجرت عنه ، لأنه هو الموجود في عصر النبوة ، والموجود في بلاد العرب ، فهو الذي قيلت الأحاديث بمناسبته . والقسم الثاني هو الموجود الآن عند الأطباء وأهل العلوم ، وما كان في ذلك العصر موجودًا ولا معروفا ، ولا سيقت الأحاديث لأجله . وهو الذي عناه الله بقوله تعالى في سورة سبأ لسليمان عليه السلام ( يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ) .