فهرس الكتاب
ولو فرضنا أن الإنسان لم تخلق له حاسة البصر ، فحدث عنها وعن بلوغها المسافات الطويلة ، وإدراكها في أقل من ثانية ما لا ندركه آلاف الأعوام سيرًا لعد هذا ضربًا من الخيال والوهم ، ولعده أغرب من المعراج وقصته . ولو أن إنسانًا خلق طورًا واحدًا كامل الخلق كما خلق جدنا آدم ، فرأى الناس الرجال البالغين الكاملين ، والنساء البارعات جمالا . اللاتي لا تشبع منها العين والبصر ، وحدث عن مبدأ هؤلاء ، وعن أصلهم ، وأنهم كانوا يومًا من الدهر نطفة من هذا الماء الدافق الأبيض المستقذر ، أو ترابًا ، لما أمكن أن يصدق ذلك . ولو قيل له هذا ، وقيل له: إن واحدًا من هؤلاء الرجال الذين تراهم عرج به ليلة إلى هذه الشمس ، أو إلى أرفع منها ، ثم نزل إلى الأرض في ليلة لعد هذا أقرب من الأول ، ولآمن بهذا العروج قبل أن يؤمن بأصل الإنسان وبدايته إن أمكن أن يؤمن . ولو أن أعقل العقلاء لم ير الشمس ولا القمر ولا الأجرام العلوية ، ولم يبرز إلى السماء ، فقيل له: إن فوق هذا البيت الذي أنت فيه سرجًا عظيمًا ، أكبر من الأرض أكثر من مليون مرة ، معلقة في الهواء ، لا يحملها شيء ولا تقع لعد هذا الكلام من الخرافات ، ولعد هذا أغرب من المعراج في القدرة والندرة ، ولكننا الآن نرى الشمس والقمر وسائر الأفلاك فوقنا في الهواء ، ولا غرابة ولا عبرة . ولو حدث عن الجاذبية التي يعتمد عليها المعطلة في تعطيلهم ، وحاولنا أن يؤمن بها كما هي لحاولنا شططا .
وفي كل شيء له آية تدل على أنه القادر
على أن هذا الذي أنكروه لأنهم حسبوه بعيدًا محالًا ، هم يشاهدون كل يوم مثله وأعجب . فإن بين الأرض والشمس مسافة ثلاثة وتسعين مليون ميل ، وهذه أنوارها تصل إلينا في أقل من لحظة . وإن النور يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمائة ألف كيلومتر .