فهرس الكتاب
إننا قد ذكرنا في سائر كتبنا البراهين العقلية والنقلية على بطلان هذا التوسل ، وذكرنا هنالك من حجج القرآن والحديث والإجماع والقياس ما يقنع بعضه المنصف بأن هذا التوسل ليس من الدين في شيء .
والذي نقوله الآن هو أن حديث خطاب رسول الله لكفار قريش الذين رموا في الطوى لا يدل على أكثر من وجود العالم الروحاني ، وأن لهذا العالم إستقلالا عن العالم الجسماني ، وأنه قد يدرك الخطاب والنداء . ومستحضرو الأرواح الآن يقررون هذا . ولكن لا يدل لهؤلاء المتوسلين وجود العالم الروحاني وسماعه بعض الأوقات على أنه يجوز الإستعانة به . والدعاء له . وذلك أنهى لا يلزم وجود عالم الأرواح أن يكون سامعًا من ناداه ، ولا يلزم إذا قدر عليه أن يكون مأذونًا له بإعطائه من طلبه ، ومأذونًا لنا بأن نطلبه ، ولا يلزم من ذلك كله أن يكون ذلك مباحًا جائزًا ، ولا يلزم بعد ذلك كله ألا يكون منع لأنه يترتب عليه أن ينحل الأموات فوق ما هم له أهل ، كما هو الواقع المشهود . فإننا نرى المتوسلين في عصرنا يسألون الأموات أمورًا لا يقدرون عليها وهم أحياء ، ولا يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى ، ويقدسونهم ويعظمونهم ويهابونهم ويرجونهم . كل ذلك بأبلغ مما يكون منهم لله وهم بين يديه في الصلاة والمناجاة . ولا شك أن هذا خالص العبادة ولبها ، لا يجوز صرفه لمخلوق سواء أكان حيًا أم ميتًا ، وسواء أكان حاضرًا أم غائبًا . ويدلك على ما نقول أنه لا تجوز لنا دعوة الملائكة ولا دعوة الجن مطلقًا . والملائكة والجن أحياء ، وهم أقدر من الإنسان . وما دعاهم أحد من المسلمين ولا العاقلين . ولم يفهم الصحابة الذين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي كفار قريش وهم أموات أن ذلك دليل على التوسل بالموتى . ولهذا لم يتوسل أحد منهم برسول الله بعد موته، ولم يتوسل أحد من الأئمة الذين رووا هذه الأحاديث وحذقوها بمخلوق ميت. وهذا إجماع سلبي لا يدفع .