فهرس الكتاب
وطائفة ثانية فهمت الحديث كما فهمته الطائفة الأولى ، فقبلته وسوغت أن يحتج العاصي ، بل والكافر بالقدر . وهذا باطل عقلا ، وشرعًا ، وضرورة ، ووجدانًا . فلو كان يجوز أن يحتج بالقدر لجاز لليهود والنصارى والمشركين أن يحتجوا لكفرهم بأن الله قضاه عليهم ، وكانوا يحجون الأنبياء بهذه الحجة ، وكان يجوز أن يحتج السارق والزاني والقاتل به ، فلا تقام عليهم الحدود . وقد احتج المشركون على رسول الله بهذه الحجة الداحضة ، فردها الله عليهم . قال تعالى ( سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الين من قبلهم ) وقال ( وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ) .
وأيضا لو كان القدر حجة لكان حجة لموسى في لومه لآدم فكان يقول له: أتلومني يا آدم على لومي لك وقد كتبه الله عليّ وقدر أن ألومك فتكون الحجة لموسى على آدم كما كانت لآدم على موسى ، وكان كل منهما معذورًا ، ولم يكن موسى محجوجًا وآدم حاجًا ، ولم يكن آدم صيبًا وموسى مخطئًا . وهذا واضح .
وأيضًا قد جهر القرآن بأن آدم وحواء إعترفا بذنبهما و ( قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) ولو كان آدم يرى أنه معذور بالقدر لما اعترف بذنبه .
وأيضًا لو كان القدر يدفع اللائمة لما كان آدم عاصيًا . لكن قال الله بعد أن ذكر أكلهما من الشجرة ( وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) .
وأيضًا لو كان معذورًا لما أخرجا من الجنة لما أكلا من الشجرة ، ولكان الشيطان معذورًا أيضًا في إغواؤهما وأبى لهما السجود ، وكان يجوز له أن يرد على من اعترض عليه بالقدر كما احتج عدوه آدم .
فالاحتجاج بالقدر للمخالفة باطل شرعًا وعقلًا ووجدانًا وضرورة . ولو ظلم أحد هؤلاء الذين يحتجون بالقدر لما عذر ظالمه وغفر له ذنبه واحتج له بالقدر والقضاء بل لكان يسعى في الإيذاء والانتقام .