الصفحة 81 من 186

وإذًا سوف تقول لي: عرفنا أن الاحتجاج بالقدر باطل فما معنى هذا الحديث ، وما تأويله ؟ فأقول: فيه رأيان ليس في واحد منهما تجاف عن العقل أو الشرع:

الرأي الأول ـ قالوا: إن موسى عليه السلام لام آدم على المصيبة التي وقع فيها هو وبنوه ، وهي الإخراج من الجنة ، لا على الذنب الذي هو الأكل من الشجرة . قالوا: والمصيبات يجب الرضا والتسليم لله فيها لأنها من فعل الخالق سبحانه لا فعل المخلوق . قالوا: وقد مدح القرآن الصابرين على المصيبة قال ( وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وألئك هم المهتدون ) وقال ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل ان نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ) وقال ( ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهدي قلبه ) قالوا:فالمصيبات التي يبتلي الله بها عباده ليس لهم أن يجزعوا منها ، وأن يحزنوا ، بل عليهم الرضوان بها ، والتسليم لله . قالوا: وموسى أعقل واعرف من أن يلوم آدم على ذنب قد تاب منه ، وقبل الله توبته ، وغفر له ، واجتباه بعده . وإنما كان ملامه له على الإخراج من الجنة الذي هو صنع الله ، وعلى ما حصل منه ، وهو إخراج أولاده من الجنة، وتعريضهم للدنيا وتكاليفها ، وما فيها من أذى وردى . قالوا: ورواية الحديث شاهدة بذلك فإن فيها"أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة"وفيها"أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة"وفيها"ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض"فهذه الروايات شهيدة على أنه لامه على المصيبة التي وقعت بعد ذنبه ، لا على ذنبه وبهذا بريء الحديث من الإشكال . هذا هو الرأي الأول .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت