الصفحة 82 من 186

الرأي الثاني ـ لم تقع المحاجة بين آدم وموسى إلا بعد أن تاب آدم من ذنبه ، وتاب الله عليه ، وغفر له ، ورضيه ، وعمل بعده الأعمال الصالحة التي جعلته من أصحاب الجنات ، ومن المقربين عند الله، ومن أنبيائه المصطفين ، فالحجاج بعد ذلك كله . والملامة على الذنب يراد بها زجر المذنب لئلا يعود إلى ذنبه مرة ثانية . أما إذا أذنب ثم تاب من ذنبه توبة نصوحًا ، وقبلت توبته فلا فائدة بالملام ، ولا يجوز ذلك مطلقًا . لأن

المراد منه حينئذٍ الإساءة والتوبيخ وهذا لا يحل . ألا ترى أننا لو لمنا إنسانًا كان ترك الصلاة بعد أن تاب ، وحافظ عليها كل المحافظة ، لكنا أحق باللوم منه ، ولكنا مخطئين غير مصيبين ؟ وكذلك من لام كافرًا على كفران سلف منه ، ثم تاب منه كان مخطئًا غير مصيب . فهذا الحديث من هذا . فموسى لام آدم على ذنبه الذي تاب ، فكان محجوجًا غير مصيب ، لأنه لم يفد لومه ، ولم يثمر غير إيجاع آدم وإيذائه . وقد روى مسلم في صحيحه أن امرأة جاءت رسول الله عليه السلام فاعترفت على نفسها بالزنا ، فأمر بها فرجمت ، فأقبل خالد بن الوليد ـ وهي ترجم ـ فرماها بحجر وسبها . فقال نبي الله"مهلًا يا خالد . لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له". نهاه رسول الله عن أن يسب امرأة زانية لأنها قد تابت . والتائب يتاب عليه . فكذلك آدم عليه السلام لا يجوز أن يلام على ما تاب عليه .

وهذا الرأي هو الرأي الصحيح الذي يلزم حمل الحديث عليه أما الرأي الأول فليس بذاك . فإن قوله أتلومني على أن عملت عملًا كتبه الله عليّ صريح في أن موسى لامه على العمل لا على المصيبة .

وأيضًا مما لا يصح أن يلوم موسى آدم على المصيبة التي هي من فعل الله ، ولا فعل لآدم فيها ، وهي إخراج ذريته من الجنة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت