فهرس الكتاب
وأيضًا لو كان لامه على المصيبة لكان ذلك لأنه السبب في المصيبة ، والعامل الأول في حلولها . ولا ريب أن المذنب يلام على ما أنتجه عمله . ولو عصا عاص فأنزل الله عقابًا عم ذلك العاصي وأهل بلدته لساغ ملامه على ما أصاب أهل البلدة . ولو إعتدى معتد من بلد فقتل إنسانًا ، فهجم أهل القتيل على بلدة القاتل فأوقعوا بهم للام أهل البلدة القاتل على ما جره عليهم من بلاء ، ولقالوا له: آذيتنا واعتديت علينا . وهم صادقون .
فإن قلت: ما ذهبت إليه في الحديث مذهب صحيح ، ولو لا أن ظاهر الحديث خلافه . فإن روايات الحديث كلها تدل على أن آدم دفع عن نفسه بالقدر لا بالتوبة . فانه قال"أتلومني على أمر قد قدره الله عليّ قبل أن أخلق"إلى آخر الروايات . ولو كان المعنى ما تذهب إليه لقل"أتلومني على أمر قد تبت منه وتاب الله علي".
قلت: لا شك أنه إذا كان للأمر سببان ، أو علتان فأكثر جاز ذكر أحدهما وطي الآخر وتنحيته إن كان معلومًا . فقد يراك إنسان ، ومعك زكاة مالك تريد أن تدفعها إلى واحد من أصحابها ، فيقول لك:"إدفعها لفلان فإنه فقير"والعلة الثانية المطوية في هذا الكلام"ومسلم"فإن الزكاة لا تدفع للفقير إلا إذا كان مسلمًا . وكذا إذا رأيت من يطلب عاملًا قلت: استعمل فلانًا فإنه مسلم"أي"وأمين وكفء"وإذا رأيت من يريد قتل إنسان قلت له:"لا تقتله فإنه مسلم"وأنت تريد أنه مسلم ، وأنه لم يجن ما يستحق به القتل . وإذا رأيت من يؤذي ذميًا قلت له:"لا تؤذه فإنه ذميَّ"أي"مسالم لم ينقض عهده". وقد يقال لك: لماذا قدمت فلانًا على غيره . فتقول:"لأنه عالم"أي"وصالح"وقد يقال لك لم تحب فلانًا فتقول:"لأنه من العرب"أي"ومن الفضلاء". وأمثال ذلك في الكلام العربي كثير معروف . وكذلك حديث الباب . ذكر أحد السببين، وهو القدر. وطوى الآخر ، وهو التوبة ، لأنها معلومة للمتخاطبين ."