الصفحة 85 من 186

خامسًا ـ لا شك أنه ما لطم الملك فأطار عينه إلا كراهية الموت وحبًا للحياة إذًا ماله لم يقبل ذلك العمر الذي عرضه الله عليه وهو عدد الشعرات التي تتناولها يده إذا وضعها على ظهر ثور ؟! فهذا قد يشعر بشيء من التناقض .

هذه إشكالات قد تعترض القارئ ، وقد ترد عليه ، وإن لم يستطع الإبانة عنها . وقد كذب الحديث أقوام لذلك. وهي واردات لا تصل إلى إضعاف الحديث الصحيح . وبيان ذلك:

أما الإشكال الأول وهو أنه يكون ظلمًا وبغيًا . فيقال: إن موسى ما كان يعلم أنه ملك الموت ، وأن الله بعثه إليه ، بل حسب أنه إنسي يريد العدوان عليه ، كما حسب إبراهيم ولوط الملائكة الذين جاءوهما أناسيّ فرأى أن الدفاع عن النفس جائز أو واجب . كيف وهو رسول الله أرسله لغرض من أشرف الأغراض ، وهو إقامة التوحيد والعدل في الأرض . وليس في الحديث ما يشهد بأنه عالم حقيقة الملك .

وأيضًا ربما ظن أنه تصلح مدافعة ملك الموت ، كما تصلح مدافعة الأقدار والنوازل التي ينزلها الله ويبعثها لقصم العباد ، فحسب أن المكلف يطالب بأن يدافع كلما هجم عليه مطلقًا ، فدافعه ، كما يجب علينا أن ندافع الموت ووسائله على قدر طاقتنا ، وإن كنا غير قادرين على دفعه .

وأيضًا ربما حسب أن الملك ليس ملزمًا بأن يقبض روحه ، فطلب منه الإمهال ، فلم يجب ، فأصابه بما أصابه . ولعله لم يكن قاصدًا فقء عينه . وقد قص القرآن من فعل موسى ما يقارب هذا . وهو ما حكاه عن قتل القبطي . قال في سورة القصص ( فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه ، قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ، قال ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم ) وقال في ذلك ـ لما ذكره فرعون فعلته ـ من سورة الشعراء ( قال فعلتها إذًا وأنا من الضالين ) ولا نرى موسى كان مريدًا قتل ذلك القبطي، وإنما أراد أن يخلص الإسرائيلي منه ، فكانت القاضية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت