الصفحة 95 من 186

والتنقيب عما يرضي الله ويقرب منه ، وعما يغضبه ويباعد عنه ، كثير الاحتياط لعقيدته وإيمانه خوف أن يصيبه شيء من غبار البدع والشبهات ، كثير الرغبة في الجنة والزهادة في الدنيا ولذاتها ، كثير هذه الأمور كلها: يقل نصيبه من الدنيا من مأكل ومشرب ، وملبس ومسكن ، وجمع مال فهو يأكل في معى واحد فقط . وهذا كناية عن أنه قليل حظه من الدنيا ولذائذها بتعلقه بالأمور المذكورة اللازمة للإيمان الصحيح . ولا يريد الحديث أن خلقته مخالفة خلقة الكافرين ، ولا أن تركيب بدنه خلاف تركيب بدن غيره .

وأما الكافر الذي لا يبالي بالدين ، ولا بما يغضب الله أو يرضيه ، فهو عكس المؤمن في ذلك . فليس له شيء يهمه سوى الدنيا ، والاستكثار منها ، والجمع لها ، والتفنن في تناول لذاتها ، واختراع المأكولات والمشروبات . فلا يبالي أن يأكل حرامًا ، وأن يجمع حرامًا ، ولا يبالي بالفقراء والمحتاجين ، الذين يتضاغون حوله جوعًا وعريًا ، لا يعرف لله ساعة يهب نفسه له فيها بعبادة ومناجاة ، أو تفكر في آلائه وشؤونه . وبالإجمال كل شيء فيه موقوف على الدنيا وعلى خدمتها . فهو كثير الحظ منها ، كثيرة الحظ منه ، فهو يأكل بسبعة أمعاء . أي أنه لا يراد بها حقيقتها . وهذا العدد يراد به التكثير لا التحديد ، مثل السبعين . كما تقول: لا يقبل الله من كافر عمله ولو عبده سبعين عامًا ، ولا من مبتدع بدعته ولو تقرب إليه بها سبعين عاما . وكذا تقول: سبع سنين . قال الله تعالى ( ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) وقال: ( إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) لا يريد الله بذلك حقيقة السبعين ، ولا حقيقة السبعة ، وإنما يريد مطلق الكثرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت