فهرس الكتاب
وسبب الحديث لا يكون مخصصًا عمومه . فالعموم باق على حاله ، وإن كان السبب خاصًا لا عموم له . وبيان هذا أن الرسول عليه السلام لما رأى ذلك الكافر وكثرة ما يأكل ذكر خلقًا من أخلاق الكافرين ، وهو التمتع باللذات المادية بشره وشدة . والمعاني تتداعى . وتفسير هذا قول العلماء"العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"يريدون أن اللفظ عامًا في دلالته وإن كان خاصًا سببه . وغالب عمومات الشرع أسبابها خاصة .هذا من جهة الأكل . أما من جهة العدد فلا ريب أنه لا يريد في مثل هذا الاستعمال تحديد العدد . ومثل ذلك أن تقول: فلان يتكلم بسبعة ألسن ، أو سبعة أفواه ، ويأكل في سبعة بطون ، او سبع أيدي ، وينظر بعيون كثيرة ، ويمشي بأرجل عديدة ، وأمثال ذلك . لا شك أن القائل لذلك لا يقصد العدد المذكور ، وإنما يريد المبالغة . ومن فهم من هذه الأقوال العدد فهو كمن فهم من قوله تعالى ( تجري بأعيننا ) وقوله ( والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون ) وقوله ( وخلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعامًا ) العدد . وكان كذلك الوزير الذي قال له الحجاج: اقطع لسان هذا . يشير إلى شاعر مدحه ونال إعجابه . فأخذ الوزير الموسى وآلة القطع وأحضر الشاعر ليقطع لسانه . وكان الحجاج يريد أن يعطيه مالًا يكف لسانه عن ذمه .
وبما ذكرنا صار الحديث واضحًا ، وقاعدة من قواعد الأخلاق الإسلامية . وهي أن المؤمن العاقل الحكيم لا بد أن يكون مستقلا من الشهوات المادية ، مستقلا من خدمة الدنيا لذاتها ، ليس بذلك الطماع الجشع ولا اللحز الشحيح ، ليس بعزيز عليه أن يضيع ماله في وجوه البر والخير ، بل له شأن أسمى من ذلك ، وغرض أعلى ، وهو تنمية الروح وتذكية العقل . ولا أهدم لأخلاق الأمم ، وللمدينة الفاضلة من الحرص على الماديات والشهوات .
أحاديث العين