ثبورا ويصلى سعيرا ففاعل المحاسبة الظاهرة والضمنية مغاير لفاعل المنقلب والداعي، وتغاير الفاعلين مانع من إرادة التوكيد لأن الحدثين لم يتسلطا على فاعل واحد، فكأنهما قوتان ضاربتان باتجاهين مختلفين، وسوّغ ذلك مجيء (سوف) ولذا جاءت السين في قوله تعالى: {سنعذّبهم مرتين ثم يُردُّونَ إلى عذابٍ عظيم} التوبة آ: 101 فالفعلان أسندا إلى فاعل واحد، فالتوكيد حاصل، ومثله قوله تعالى: {وأممٌ سنمتّعهم ثم يُمسُّهم منّا عذابٌ أليم} هود آ: 48، وبهذه القاعدة نستطيع تحليل الفرق بين هاتين الآيتين المتواليتين، قال تعالى: {إنَّ الذينَ كفروا بآياتنا سوفَ نُصليهم نارًا كلَّما نضجت جلودُهم... والذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ سنُدخلهم جناتٍ تجري من.. ونُدخلهم ظِلًا ظَليلا} النساء آ: 56- 57 فقد ترك القرآن (سوف) مع آية المؤمنين ليس لتبشيرهم بقرب الدخول، بل لمانع تركيبي هو العطف التوزيع التنظيمي لهاتين الأداتين كان يحرص على قضايا أخرى تستحق البحث لاكتشاف نظامها كما صمم هذا البحث لذلك، إذ الكلام نسيج مركب من القضايا اللغوية، والاعتناء بكشف إحداهما لا ينبغي أن يقع على حساب الأخرى، بل على الباحث أن يفطن إلى ذلك ويدرك سر ترك النظام المستكشف في بحثه إلى نظام آخر فما دام العدول من نظام إلى نظام فلا خلل ولا اضطراب، وإنما الاضطراب يتصور لو تم العدول من الحالة النظامية إلى حالة غير نظامية، وهذا هو الإعجاز القرآني التركيبي الذي يتم فيه توزيع الألفاظ لعلل وغايات لا يعدل عنها إلا لعلل أخرى ودوافع تنظيمية مغايرة.