بأن مصطلح خليفة لم يكن يعني من يقوم بتنفيذ الشريعة فحسب، وإنما كان يعني أيضًا ممارسة السلطة السياسية للخليفة، إذ يشير الإمام القرطبي في تفسيره إلى أن لفظة خليفة التي وردت في الآية الأولى في قوله تعالى إِنَِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً، ليس المراد بها خليفة آدم كما يفسره طائفة من المفسرين وإنما يشير إلى أن هذه الآية \"أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة وتنفذ به إحكام الخليفة\" (23) . كما يشير المفسرون إلى ان مصطلح خليفة الذي ورد في الآية الثانية قد اقترن بممارسة السلطة السياسية للخليفة في قوله تعالى إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ (24) ، إذ يشير الإمام الزمخشري إلى أن قوله تعالى خَلِيفَةً فِي الأرْضِ يعني \"استخلفناك على الملك في الأرض كما تستخلفه بعض السلاطين على بعض البلاد ويملكه عليها، ومنه قولهم \"خلفاء الله في أرضه\" (25) . كما يربط الإمام القرطبي هذه الآية بالآية الأولى من حيث ضرورة وجود خليفة يتولى أمور السلطة والحكم، فيذكر أن قوله تعالى إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ يعني \"مكناك لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فتخلف من كان قبلك من الأنبياء والأئمة والصالحين\"، ويرى وفقًا لذلك استلزم نصب خليفة ليفصل بين الناس (26) ، كما يشير الإمام ابن كثير إلى أن قوله تعالى إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ يعني \"وصية من الله عزوجل لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك الله\" (27) ."
كما يبين المستشرق مونتكمري وات إلى أن جذر كلمة خليفة قد تعرض لتطور غني ومتعدد من حيث المعنى في اللغة العربية. وفي انه لمعنى خليفة عدة تجليات يصعب إزاءها معرفة ما يسود منها في سياقات معينة، وفي أن المعنى الأساس برأيه هو الخلف، أما أمثلة الجمع الواردة في القرآن فهي تشير من وجهة نظره إلى أناس حلوا في ارض شغلها غيرهم من قبل ودمرهم الله عقابا لعصيانهم، وفي أن هذه الحالات تبرر برأيه ترجمة المعنى إلى \"الخلف\"وفي أن بعضها لا يتضمن ذكر السابقين أو التشديدعلى اللاحقين، وانه لذلك يختل المعنى برأيه إذا ترجمت بكلمتي \"القاطنين\"أو \"المستوطنين\"، أما في صيغة المفرد فهي توحي بالإضافة إلى معنى \"الخلف\"بمعنى من يمارس السلطة (28) .
أما لقب إمام فإن معالجة ارنولد لهذا اللقب لم يختلف عن معالجته للقب خليفة، إذ حاول أيضًا نفي وجود علاقة بين الآيات التي ورد فيها مصطلح إمام وبين لقب إمام الذي لم يكن يعني وفق منظور ارنولد الاستشراقي سوى لفظة انبثقت من الوظيفة الدينية بمعنى مرشد للمؤمنين في صلاة