الصفحة 47 من 95

وسيادة دنيوية وجد في نفسه مقوماتها، وأن ظروف النشأة في مكة كانت مواتية لذلك.

يرى المستشرق (جب) [1] : (( أن مكة كانت فيها حياة زاخرة بالتجارة والسياسة والدين، وأنه وجدت فيها زعامة وزعماء، وأنه وجد ظلم اجتماعي بين سكانها، وأن الرسول-صلى الله عليه وسلم- انطبعت في نفسه كل هذه الجوانب، وكان على وعي تام بها، وترى آثارها في حياته: في قرآنه وفي كفاحه إلى أن مات!

ويرى (( جب ) )كذلك أن ثورة الرسول النفسية لم تبرز في صورة إصلاح اجتماعي، ولم يقم بها على أنه مصلح للحياة المكية الاجتماعية، وإنما برزت في صورة دينية، وفي صورة أنه رسول؛ وذلك لأنه أراد أن يستغل قيم المقدسات الدينية بمكة في الزعامة، والرواج الاقتصادي! ومعارضة المكيين إياه - لذلك -

(1) هو: هـ. ا. جب مستشرق إنجليزي معاصر كانت له شهرة واسعة في حياته، وما زال يذكر بين أبرز المستشرقين المعاصرين، وكان عضوًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وذلك يدل على تضلعه في اللغة العربية، ويدل من جهة أخرى على مدى إعجاب الناس به في وقته، ومدى إحسانهم الظنَّ به.

يسوق الأستاذ محمد قطب هذا التعريف به، ثم يقول: (( وقيمته عندنا أنه صاحب اتجاه جديد في الاستشراق، الاتجاه الذي لا يأخذ الهجوم الشرس المتواصل منهجًا له للوصول إلى أهدافه، إنما هو المنهج الذي جاء ذكره في كتاب الله: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} [آل عمران: 72 - 73] .

فهو لا يتظاهر بالحياد فحسب - فكلهم يدَّعون ذلك - إنما هو يزجي من المديح ما يريح أعصاب القارئ المسلم، فيظن أن الكاتب متعاطف معه مقدر - على الأقل - لبعض جوانب العظمة في دينه، فلا داعي لإساءة الظن به ابتداء، إنما الأولى إحسان الظن به، فإذا ألقى القارئ سلاح الحذر بتأثير هذا المديح المريح، دسّ له المستشرق ما يشاء من السموم، فيتشربها من لديه استعداد لابتلاع الطعم، ويتأثر بها بقدر ما ألقى من سلاح الحذر، وبقدر ما انشرحت نفسه للطعم المسموم )) ا هـ. من كتاب (المستشرقون والإسلام) ص 174 للأستاذ محمد قطب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت