فهرس الكتاب
يكرس هذا المعنى صاحب كتاب (الشعر الجاهلي) الذي تقوم فكرته على أن الحياة العربية الجاهلية لا تلتمس من أشعار العرب الجاهليين التي يرى أنها منتحلة مكذوبة عليهم، بما تمثله من غلظة وشدة وعدم تحضر، وإنما تلتمس من القرآن.
يقول المؤلف عن العرب في تلك الفترة: إنهم (( لم يكونوا على غير دين، ولم يكونوا جهالًا ولا غلاظًا، ولم يكونوا في عزلة سياسية أو اقتصادية بالقياس إلى الأمم الأخرى .. كذلك يمثلهم القرآن، وإذا كانوا أصحاب علم ودين، وأصحاب ثروة وقوة وبأس، وأصحاب سياسة متصلة بالسياسة العامة، متأثرة بها مؤثرة فيها، فما أخلقهم أن يكونوا أمة متحضرة راقية، لا أمة جاهلة همجية، وكيف يستطيع رجل عاقل أن يصدق أن القرآن ظهر في أمة جاهلة همجية ) ) [1] .
فالقرآن على ذلك في نظر المؤلف - وليس الشعر الجاهلي - هو أصدق مرآة للعصر الجاهلي. هذا المعنى قرره من قبل (رينان) [2] .
يقول الدكتور/محمد عبد الله دراز: ففي مقال له أي (رينان) عن (محمد ومصادر الإسلام) : (( عرض لنا صورة رائعة للجزيرة العربية في القرن السادس بعد الميلاد، وبدلًا من هذا الشعب المشرك الذي تعرفه الدنيا، وضع لنا شعبًا آخر لم يعرف في حياته عن الله تعددًا ولا تنوعًا، وإنما عرفه كإله واحد لم يلد ولم يولد،
(1) الشعر الجاهلي: ص 15، نقلًا عن: الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي: ص 234.
(2) أرنست رينان (1823 - 1892 م) فيلسوف فرنسي، ولد في مدينة تريجيه من أعمال بريتانيا بفرنسا، ودخل المدارس اللاهوتية، حيث برز فيها، وتضلع في اللغات الشرقية حتى صار من ثقاتها، ثم أخذ بمذهب حرية الفكر، ورحل إلى المشرق وعني بالعقائد الإسلامية، من آثاره: تاريخ الأديان، وغيره من الكتب، المستشرقون: 1/ 202 نجيب العقيقي.