الصفحة 50 من 95

كما نجح هذا المستشرق في إبراز الذوق الأدبي الرفيع لهذا الشعب، ونظرته الواقعية القوية، وفي إغفال سائر الصفات الأخرى التي لا تشرفه، فبدلًا من هذه النزعة المادية الطاغية الفاسدة التي لا تلتفت إلى أي تفكير ينتمي إلى الحقائق السامية، رسم لنا مجتمعًا في أوج حماسه الديني التقت فيه جميع الديانات، وجميع الحضارات، بالإضافة إلى أن الدين كان شغله الشاغل، وعلى هذا المنوال لا تعدو أن تكون رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- امتدادًا للحركة الدينية التي سارت في عصره دون أن يسبقها محمد في أي جديد )) [1] .

والأمر بعد ذلك يحتاج إلى مناقشة هادئة:

ففي مجال التوحيد وعبادة الله وحده: أكان العرب في الجزيرة وما حولها موحدين حقا لا يشركون مع الله آلهة أخرى؟ وهل يستقيم هذا الادعاء وما عرفه القاصي والداني من تعدد أصنامهم التي يعبدونها أفرادًا بتعدد أشخاصهم، وأسماءً بتعدد قبائلهم، حتى وضع حول الكعبة ستون وثلاثمائة نصب، دخل النبي-صلى الله عليه وسلم- مكة عام الفتح وهي كذلك، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: (( جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا ) ) [2] كما ذكر القرآن - في مجال الإنكار عليهم - أسماء كبار أصنامهم: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ

(1) المدخل إلى دراسة القرآن الكريم: ص 129، 130 بتصرف، د. محمد عبدالله دراز، دار القلم 1414 هـ - 1993 م.

(2) ذكر ذلك عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- فيما أخرجه عنه البخاري في صحيحه: ك / التفسير، بـ: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} ح / 4720.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت