الصفحة 54 من 95

ثالثًا: دعوى أن مصدر القرآن الكريم هم الحنفاء، ونقض هذه الدعوى:

ما معنى الحنيفية التي ينسب إليها الحنفاء؟

مادة الكلمة (ح ن ف) تدل على الميل، وعليه فالحنيف مطلقًا هو: المائل من شرٍ إلى خير، أو من خيرٍ إلى شر، ومنه أُخِذ الحنَفُ، وحَنَف: مال، والحنيف: المسلم الذي يتحنف عن الأديان، أي يميل إلى الحق، وقيل: هو من أسلم في أمر الله فلم يَلْتوِ في شيء، قال أبو عبيدة في قول الله -عز وجل-: {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} قال: من كان على دين إبراهيم فهو حنيف عند العرب، وكان عبدة الأوثان في الجاهلية يقولون: نحن حنفاء على دين إبراهيم، فلما جاء الإسلام سموا المسلم: حنيفًا [1] .

هذا هو معنى الكلمة في الإسلام، وإذا كان كل مسلم حنيفًا فإن التخصيص في التسمية لم تعد له ضرورة، بل هي صفة تذكر عند تعداد ما عليه المسلم من استقامة في منهجه.

أما الحنفاء إذا ذكروا في مضمار البحث التاريخي فهم أعداد متفرقون من الناس مالوا عن الوثنية وعبادة الأصنام إلى التوحيد، ولم تنتظمهم بعد ذلك شريعة واحدة، بل كان ظهورهم في أماكن مختلفة، وفي أزمان متباعدة: فظهروا في اليمن متأثرين بمبادئ التوحيد التي حملتها إليهم اليهودية والنصرانية ... وظهروا في الجزيرة العربية امتدادًا لدعوة أنبياء الله إبراهيم وابنه إسماعيل - عليهما السلام - فبقوا محافظين على شيء من تراث إبراهيم

(1) لسان العرب: لابن منظور، مادة: (( حنف ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت