فهرس الكتاب
الأرض عنها، وكان ذلك في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق [1] وشاع الحديث، ووقع فيه من وقع، وطال الأمر والناس يخوضون وأبطأ الوحي، واشتدت بالمسلمين المحنة حتى بلغت القلوب الحناجر، والنبي-صلى الله عليه وسلم- لا يستطيع إلا أن يقول: (( إني لا أعلم عنها إلا خيرًا ) )وهو أدرى الناس بطهارتها، والمؤمنون يرددون: (( ما علمنا عليها من سوء ) ).
ثم إن النبي -صلى الله عليه وسلم- من منطلق كونه بشرًا وزوجًا أخذ بأسباب المشورة والسؤال والتحري الذي لم يكن باعثه الشك، كلا، وإنما التعليم للأمة ألا يتسرع المسلم في أمره، ولما مضى شهر بكامله أو يزيد وأصبح الأمر لا يحتمل التعليق، والوحي لا ينْزل، ما زاد -صلى الله عليه وسلم- على أن قال للصدِّيقة -رضي الله عنها-: (( يا عائشة: إني قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه ) ) [2] .
وهنا في تلك اللحظة بعد هذا التمحيص والعناء ينْزل الوحي ببراءة عائشة - رضي الله عنها- في قوله الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ
(1) راجع القصة كاملة في الحديث الطويل الذي رواه البخاري في صحيحه: ك / التفسير، ب / {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} ح / 4750، ومسلم في صحيحه: ك / التوبة، ب / حديث الإفك وقبول توبة القاذف، ح / 2770.
(2) صحيح مسلم: ك / التوبة، ب / حديث الإفك، ح / 2770.