الصفحة 81 من 95

والأمثلة على ذلك كثيرة يضيق المقام عن استيعابها، وهذه شواهد منها:

1 -ما رواه البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبيه أنه أخبره: أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي طالب: (( يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله ) )، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال لهم أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ) )، فأنزل الله تعالى فيه: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113] [1] .

فلو كان الأمر إليه -صلى الله عليه وسلم- وكان القرآن من كلامه لما عزم على أمر له فيه رغبة، ثم تلا على الناس النهي عنه، أو أنه ما كان قد قال ما قال أصلًا حتى لا يكون هذا العتاب المقرون بالنهي، ولكنه -صلى الله عليه وسلم- إنما يُعاتب ويُؤمر ويُنهى من قبل ربه لا من قبيل نفسه.

(1) صحيح البخاري: ك / الجنائز، ب / إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله، ح / 1360.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت