فهرس الكتاب
كما توجهت إحدى الجرافات نحو بركة كبيرة ماتزال نصف مملوءة بالماء كانت تقع بجانب الحي، وكثيرًا ماكان يلعب فيها أطفال الحي الصغار، ولم يعودوا يقتربون منها وقد صاروا يسمعون عنها من آبائهم قصصًا وحكايات مخيفة، بعد أن غرق فيها منذ حوالي عام طفل لا يزيد عمره عن ثلاث سنوات... وتوجه بعض العمال لإصلاح أحد المجاري كان قد تفجر منذ ثمانية أشهر فأصبح يسمى عند الجميع الحراش الصغير وقد نبتت على ضفتيه حشائش جميلة خضراء، كما بدأت الضفادع الكثيرة التي تعمره تُسمع في كل ليلة سكان الحي نغماتها العذبة... رائحة الزفت والبنزين والمازوت، وهدير الشاحنات، وسواعد العمال والحركة...
أهملت كثيرات من النساء أعمالهن البيتية وفتحن النوافذ يتابعن هذه الحركة غير العادية.. بينما خرج الرجال الذين لا عمل لهم يتابعون عن قرب ويلاحظون حركة التغيير السريعة في حيهم...
قال العم عمار الشيخ المتقاعد الذي قضى ثلاثين سنة في باريس ومرسيليا وليون وغيرها من المدن الفرنسية ينتقل مابين سطح الأرض وباطنها، قال لمجموعة من الجيران الواقفين معه يتأملون مايجري في الحي:
-سبحان الله.. والله العظيم يذكرون الواحد بأيام زمان.. زمان"البترون"... هكذا تمامًا يعملون هناك...
اليوم الثاني:
في هذا اليوم بدأ العمال باكرًا أيضًا، وقد كانت مهمتهم إيصال الماء إلى الحي الذي ظل ينتظرها منذ انتهت أشغال بنائه قبل خمس سنوات.. كانت الأنابيب موجودة تحت الأرض، وضعت هناك بمجرد الانتهاء من بناء الحي.. لقد كان أكبر مايخشاه السكان أن تكون تلك الأنابيب الطويلة قد تحولت إلى مترو أرضي كبير يمكّن الفئران الضخمة من التنقل السريع بين جميع أنحاء الحي...
الأنابيب إذن موجودة، ولكن الماء لم يصل، يقال إن المحرك الذي يجلب الماء إلى الخزان الكبير الخاص بهذا الحي لم يكن يشتغل، ولا أحد يعرف السبب، مماجعل السكان يعتمدون على أنفسهم في جلب الماء من أماكن بعيدة مختلفة... ولكن مع مرور السنوات وتغلب اليأس، وفقدان الأمل اقترح أحدهم وكانت له خبرة ممتازة بأمور المياه الجوفية وحفر الآبار- أن يحفروا بئرًا أو حتى مجموعة من الآبار... وافقه الجميع طبعًا، ولكنهم ماكادوا يبدؤون الحفر في أحد الأماكن بعدما درس بعناية من جميع النواحي، حتى وصل الخبر إلى السلطات التي أقبلت مسرعة لتوقف المشروع...