فهرس الكتاب
في جانب آخر من الحي، وفي الطابق الأرضي، لإحدى العمارات كان العمل يجري سريعًا لتهيئة بناية ظلت طيلة هذه السنوات مجهولة الهوية، وقد اتضح أخيرًا وبعد الترميم والصباغة وجلب الأجهزة وكتابة لوحاتها الخارجية إنها (مركز البريد) ...
اليوم الخامس:
كان سكان الحي في هذا اليوم يسيرون في الطرقات والممرات الصغيرة بين الشجيرات والأزهار التي كانت تبدو للجميع جميلة ورائعة، كما كانوا وهم يمرون بجانب أعمدة الكهرباء ينظرون إليها ويتفحصونها بنظراتهم كأنما هم يرونها لأول مرة، مع أنها كانت تنتصب في أماكنها منذ سنوات.
وعند الساعة السابعة مساءً كان الحي كله قد أصبح مزدانًا بالأنوار الصفراء..
-هل هذا هو نفسه حينا السابق؟!
تساءل أحد الشبان كان يقف مع مجموعة من أصدقائه، ثم يضيف وهو ينظر ويشير بيده في بهجة إلى الأنوار المتلألئة في كل مكان:
-لا.. أبدًا.. إنه حي آخر.. حي جديد...
في ذلك المساء خرج كثير من الناس من بيوتهم، الرجال والنساء والأطفال كانوا يمشون مرفوعي الرؤوس والبهجة تملأ وجوههم... تملص أحد الأطفال من يد أمه وجرى إلى أحد أعمدة الكهرباء ليحتضنه بيديه الصّغيرتين ويقبله في شوق، وهو ينظر إلى المصباح الأصفر العالي وكأنما هو قمر جميل، بينما خرجت طفلة صغيرة من بيتها مسرعة لتنادي بنات الجيران...
كانت تضغط بأصبعها الصغير على جرس الباب، وتقرب إذنها من الباب لكي تسمع صوته جيدًا ثم تعود لتدق الجرس من جديد، حتى إذا فتحن لها الباب الواحدة بعد الأخرى طلبت منهن مرافقتها للعب في ساحة الحي.. كانت البنات الصغيرات يمسكن بعضهن بأيدي البعض الآخر مكونات دائرة جميلة حول أحد أعمدة الكهرباء وهن يقفزن ويغنين ويدرن حول العمود الكهربائي الذي كان يبدو في وسطهن مثل العملاق وربما كالأب الحنون...
وفي جهات أخرى من الحي كان هناك بعض الكبار والأطفال يسقون الشجيرات والأزهار في كثير من الحنان وقد انتشر عطرها في ذلك المساء يملأ الحي..
اليوم السادس:
فوجئ الناس صباح هذا اليوم، وكان يوم خميس بوجود سيارتين غريبتين عن الحي مجهولتي الهوية، كان يميز السيارتين أنهما جديدتان تمامًا ومن نوع فاخر، كما كان لونهما أسود، وكل منهما لها أضواء إضافية من الأمام، وهوائيان اثنان وبداخلها أربعة اشخاص ببذلاتهم السوداء أو الزرقاء...